والعفو : مصدر عفا يعفو إذا زاد ونمى قال تعالى ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ) وهو هنا ما زاد على حاجة المرء من المال أي فضل بعد نفقته ونفقة عياله بمعتاد أمثاله فالمعنى أن المرء ليس مطالبا بارتكاب المآثم لينفق على المحاويج وإنما ينفق عليهم مما استفضله من ماله وهذا أمر بإنفاق لا يشق عليهم وهذا أفضل الإنفاق لأن مقصد الشريعة من الإنفاق إقامة مصالح ضعفاء المسلمين ولا يحصل منه مقدار له بال إلا بتعميمه ودوامه لتستمر منه مقادير متماثلة في سائر الأوقات وإنما يحصل التعميم والدوام بالإنفاق من الفاضل عن حاجات المنفقين فحينئذ لا يشق عليهم فلا يتركه واحد منهم ولا يخلون به في وقت من أوقاتهم وهذه حكمة بالغة وأصل اقتصادي عمراني وفي الحديث " خير الصدقة ما كان عن ظهر غني وابدأ بمن تعول " فإن البداءة بمن يعول ضرب من الإنفاق لأنه إن تركهم في خصاصة احتاجوا إلى الأخذ من أموال الفقراء وفي الحديث " إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " أي يمدون أكفهم للسؤال فتبين أن المنفق بإنفاقه على من ينفق عليه يخفف عن الفقراء بتقليل عدد الداخلين فيهم ولذلك جاء في الحديث " وإنك لا تنفق فقه تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك " .
ولهذا أمر في هذه الآية بإنفاق العفو لأنها لعموم المنفقين فلا تنافي أن ينفق أحد من ماله المحتاج هو إليه أو جميع ماله إذا صبر على ذلك ولم يكن له من تجب عليه هو نفقته .
A E و " أل " في العفو للجنس المعروف للسامعين والعفو مقول عليه بالتشكيك ؛ لأنه يتبع تعيين ما يحتاجه المنفق والناس في ذلك متفاوتون وجعل الله العفو كله منفقا ترغيبا في الإنفاق وهذا دليل على أن المراد من الإنفاق هنا الإنفاق المتطوع به إذ قد تضافرت أدلة الشريعة وانعقد إجماع العلماء على أنه لا يجب على المسلم إنفاق إلا النفقات الواجبة وإلا الزكوات وهي قد تكون من بعض ما يفضل من أموال أهل الثروة إلا ما شذ به أبو ذر إذ كان يرى كنز المال حراما وينادي به في الشام فشكاه معاوية لعثمان فأمر عثمان بإرجاعه من الشام إلى المدينة ثم إسكانه بالربذة بطلب منه وقد اجتهد عثمان ليسد باب فتنة وعن قيس بن سعد أن هذه الآية في الزكاة المفروضة وعلى قوله يكون " أل " في العفو للعهد الخارجي وهو نماء المال المقدر بالنصاب وقرأ الجمهور قل العفو بنصب العفو على تقدير كونه مفعولا لفعل دل عليه ماذا ينفقون وهذه القراءة مبنية على اعتبار ذا بعد ما الاستفهامية ملغاة فتكون ما الاستفهامية مفعولا مقدما لينفقون فناسب أن يجيء مفسر ما في جواب السؤال منصوبا كمفسره .
وقرأ ابن كثير في إحدى روايتين عنه وأبو عمرو ويعقوب بالرفع على أنه خبر مبتدأ تقديره هو العفو . وهذه القراءة مبنية على جعل ذا بعد ما موصولة أي ( يسألونك ) عن الذي ينفقونه لأنها إذا كانت موصولة كانت مبتدأ إذ لا تعمل فيها صلتها وكانت ما الاستفهامية خبرا عن ما الموصولة وكان مفسرها في الجواب وهو العفو فناسب أن يجاء به مرفوعا كمفسره ليطابق الجواب السؤال في الاعتبارين وكلا الوجهين اعتبار عربي فصيح .
وقوله : كذلك يبين الله لكم الآيات أي كذلك البيان يبين الله لكم الآيات فالكاف للتشبيه واقعة موقع المفعول المطلق المبين لنوع يبين وقد تقدم القول في وجوه هذه الإشارة في قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .
أو الإشارة راجعة إلى البيان الواقع في قوله تعالى ( قل فيهما إثم كبير ) إلى قوله ( العفو ) وقرن اسم الإشارة بعلامة البعد تعظيما لشأن المشار إليه لكماله في البيان إذ هو بيان للحكم مع بيان علته حتى تتلقاه الأمة بطيب نفس وحتى يلحقوا به نظائره وبيان لقاعدة الإنفاق بما لا يشذ عن أحد من المنفقين ولكون الكاف لم يقصد بها الخطاب بل مجرد البعد الاعتباري للتعظيم لم يؤت بها على مقتضى الظاهر من خطاب الجماعة قلم يقل كذلكم على نحو قوله : ( يبين الله لكم ) .
واللام في لكم للتعليل والأجل وهو امتنان وتشريف بهذه الفضيلة لإشعاره بأن البيان على هذا الأسلوب مما اختصت به هاته الأمة ليتلقوا التكاليف على بصيرة بمنزلة الموعظة التي تلقي إلى كامل العقل موضحة بالعواقب لأن الله أراد لهاته الأمة أن يكون علماؤها مشرعين
