و ( من ) في قوله ( من المصلح ) تفيد معنى الفصل والتمييز وهو معنى أثبته لها ابن مالك في التسهيل قائلا " وللفصل " وقال في الشرح " وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو والله يعلم المفسد من المصلح وحتى يميز الخبيث من الطيب " اه وهو معنى رشيق لا غنى عن إثباته وقد أشار إليه في الكشاف عند قوله تعالى ( أتأتون الذكران من العالمين ) في سورة الشعراء وجعله وجها ثابتا فقال " أو أتاتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران يعني أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة " اه فجعل معنى " من " معنى من بين وهو لا يتقوم إلا على إثبات معنى الفصل وهو معنى متوسط بين معنى من الابتلاء ومعنى البدلية حين لا يصلح متعلق المجرور لمعنى الابتدائية المحض ولا لمعنى البدلية المحض فحدث معنى وسط وبحث فيه ابن هشام في مغنى اللبيب أن الفصل حاصل من فعل يميز ومن فعل يعلم واستظهر أن للابتداء أو بمعنى " من " .
وقوله ( ولو شاء الله لاعنتكم ) تذييل لما دل عليه قوله : ( قل إصلاح لهم خير ) على ما تقدم والعنت : المشقة والصعوبة الشديدة أي ولو شاء الله لكلفكم ما فيه العنت وهو أن يحرم عليكم مخالطة اليتامى فتجدوا ذلك شاقا عليكم وعنتا لأن تجنب المرء مخالطة أقاربه من اخوة وأبناء عم ورؤيته إياهم مضيعة أمورهم لا يحفل بهم أحد يشق على الناس في الجبلة وهم وإن فعلوا ذلك حذرا وتنزها فليس كل ما يبتدئ المرء فعله يستطيع الدوام عليه .
وحذف مفعول المشيئة لإغناء ما بعده عنه وهذا حذف شائع في مفعول المشيئة فلا يكادون يذكرونه وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم ) .
وقوله ( إن الله عزيز حكيم ) تذييل لما اقتضاه شرط ( لو ) من الإمكان وامتناع الوقوع أي إن الله عزيز غالب قادر فلو شاء لكلفكم العنت لكنه حكيم يضع الأشياء مواضعها فلذا لم يكلفكموه .
وفي جمع الصفتين إشارة إلى أن تصرفات الله تعالى تجري على ما تقتضيه صفاته كلها وبذلك تندفع إشكالات عظيمة فيما يعبر عنه بالقضاء والقدر .
( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون [ 221 ] ) A E كان المسلمون أيام نزول هذه السورة مازالوا مختلطين مع المشركين بالمدينة وما هم ببعيد عن أقربائهم من أهل مكة فربما رغب بعضهم في تزوج المشركات أو رغب بعض المشركين في تزوج نساء مسلمان فبين الله الحكم في هذه الأحوال وقد أوقع هذا البيان بحكمته في أرشق موقعه وأسعده به وهو موقع تعقيب حكم مخالطة اليتامى فإن للمسلمين يومئذ أقارب وموالي لم يزالوا مشركين ومنهم يتامى فقدوا آباءهم في يوم بدر وما بعده فلما ذكر الله بيان مخالطة اليتامى وكانت المصاهرة من أعظم أحوال المخالطة تطلعت النفوس إلى حكم هاته المصاهرة بالنسبة للمشركات والمشركين فعطف حكم ذلك على حكم ذلك على حكم اليتامى لهاته المناسبة روى الواحدي وغيره من المفسرين أن سبب نزول هذه الآية أن رسول الله A بعث أبا مرثد الغنوي ويقال مرثد بن أبي مرثد واسمه كناز بن حصين وكان حليفا لبني هاشم فبعثه إلى مكة سرا ليخرج رجلا من المسلمين فسمعت بقدومه امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فأتته فقالت : ويحك يامرثد ألا تخلو ؟ فقال : إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية فقالت : فتزوجني قال : حتى أستأذن رسول الله فأتي النبي A فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها لأنها مشركة فنزلت هذه الآية بسببه .
والنكاح في كلام العرب حقيقة في العقد على المرأة ولذلك يقولون نكح فلان فلانة ويقولون نكحت فلانة فلانا فهو حقيقة في العقد لأن الكثرة من أمارات الحقيقة وأما استعماله في الوطء فكناية وقيل هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد
