وقوله ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) تنبيه على دناءة المشركات وتحذير من تزوجهن ومن الاغترار بما يكون للمشركة من حسب أو جمال أو مال وهذه طرائق الإعجاب في المرأة المبالغ عليه بقوله ( ولو أعجبتكم ) وأن من لم يستطع تزوج حرة مؤمنة فليتزوج أمة مؤمنة خير له من أن يتزوج حرة مشركة فالأمة هنا هي المملوكة والمشركة الحرة بقرينة المقابلة بقوله ( ولأمة مؤمنة ) فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر فإذا كانت الأمة المؤمنة خيرا من كل مشركة فالحرة المؤمنة خير من المشركة بدلالة فحوى الخطاب التي يقتضيها السياق ولظهور أنه لا معنى لتفضيل الأمة المؤمنة على الأمة المشركة فإنه حاصل بدلالة فحوى الخطاب لا يشك فيه المخاطبون المؤمنون ولقوله ( ولو أعجبتكم ) فإن الإعجاب بالحرائر دون الإماء .
والمقصود من التفضيل في قوله ( خير ) التفضيل في المنافع الحاصلة من المرأتين ؛ فإن في تزوج الأمة المؤمنة منافع دينية وفي الحرة المشركة منافع دنيوية ومعاني الدين خير من أعراض الدنيا المنافية للدين فالمقصود منه بيان حكمة التحريم استئناسا للمسلمين .
A E ووقع في الكشاف حمل الأمة على مطلق المرأة لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده وأصله منقول عن القاضي أبي الحسن الجرجاني كما في القرطبي وهذا باطل من جهة المعنى ومن جهة اللفظ أما المعنى فلأنه يصير تكرارا مع قوله ( ولا تنكحوا المشركات ) إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة وبقيت المقصود من التنبيه على شرف أقل أفراد أحد الصنفين على أشرف أفراد الصنف الآخر . وأما من جهة اللفظ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة ولا إطلاق العبد على الرجل إلا مقيدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم : يا عبد الله ويا أمة الله وكون الناس إماء الله وعبيده إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال فكيف يخرج القرآن عليه .
وضمير ( ولو أعجبتكم ) يعود إلى المشركة و ( لو ) وصلية للتنبيه على أقصى الأحوال التي هي مظنة تفضيل المشركة فالأمة المؤمنة أفضل منها حتى في تلك الحالة وقد مضى القول في موقع ( لو ) الوصلية والواو التي قبلها والجملة التي بعدها عند قوله تعالى ( أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) .
وقوله ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) تحريم لتزويج المسلمة من المشرك فإن كان المشرك محمولا على ظاهره في لسان الشرع فالآية لم تتعرض لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي فيكون دليل تحريم ذلك الإجماع وهو إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي A وتواتر بينهم وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى ( فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) فعلق النهي بالكفر وهو أعم من الشرك وإن كان المراد حينئذ المشركين وكقوله تعالى هنا ( أولئك يدعون إلى النار ) كما سنبينه .
وقوله ( حتى يؤمنوا ) غاية للنهي وأخذ منه أن الكافر إذا أسلمت زوجته يفسخ النكاح بينهما ثم إذا أسلم هو كان أحق بها ما دامت في العدة .
وقوله ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) هو كقوله ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) وأن المراد به المملوك وليس المراد الحر المشرك وقد تقدم ذلك .
وقوله ( أولئك يدعون إلى النار ) الإشارة إلى المشركات والمشركين إذ لا وجه لتحصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع والواو في ( يدعون ) واو جماعة الرجال ووزنه يفعون وغلب فيه المذكر على المؤنث كما هو الشائع والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لتعليل النهي عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين ومعنى الدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها فإسناد الدعاء إليهم حقيقة عقلية ولفظ " النار " مجاز مرسل أطلق على أسباب الدخول إلى النار فإن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم ولما كانت رابطة النكاح رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها مع من يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس فإن بين الزوجين مودة وإلفا يبعثان على إرضاء أحدهما الآخر . ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله ولا يؤمنون بالرسل كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيدا جدا لا يجمعهم شيء يتفقون عليه فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين