وقوله ( من حيث أمركم الله ) حيث اسم مكان مبهم مبني على الضم ملازم الإضافة إلى جملة تحدده لزوال إبهامها وقد أشكل المراد من هذا الظرف على الذين تصدوا لتأويل القرآن وما أرى سبب إشكاله إلا أن المعنى قد اعتاد العرب في التعبير عنه سلوك طريق الكناية والإغماض وكان فهمه موكولا إلى فطنهم ومعتاد تعبيرهم . فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع أي إلا من حيث أمركم الله بأن تعتزلوهن منه مدة الحيض يعني القبل قال القرطبي ( من ) بمعنى في ونظره بقوله تعالى ( أروني ماذا خلقوا من الأرض ) وقوله ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) وعن ابن عباس وأبي رزين مسعود بن مالك والسدى وقتادة أن المعنى : من الصفة التي أمركم الله وهي الطهر فحيث مجاز في الحال أو السبب ومن لابتداء الأسباب فهي بمعنى التعليل .
والذي أراه أن قوله ( من حيث أمركم الله ) قد علم السامعون منه أنه أمر من الله كان قد حصل فيما قبل وأما ( حيث ) فظرف مكان وقد تستعمل مجازا في التعليل فيجوز أن المراد بأمر الله أمره الذي تضمنته الغاية ب ( حتى ) في قوله ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) لأن غاية النهي تنتهي إلى الإباحة فالأمر هو الإذن و ( من ) للابتداء المجازي و ( حيث ) مستعملة في التعليل مجازا تخييليا أي لأن الله أمركم بأن تأتوهن عند انتهاء غاية النهي بالتطهير .
أو المراد بأمر الله أمره الذي به أباح التمتع بالنساء : وهو عقد النكاح فحرف ( من ) للتعليل والسببية و ( حيث ) مستعار للمكان المجازي وهو حالة الإباحة التي قبل النهي كأنهم كانوا محجوزين عن استعمال الإباحة أو حجر عليهم الانتفاع بها ثم أذن لهم باستعمالها فشبهت حالتهم بحالة من حبس عند مكان ثم أطلق سراحه فهو يأتي منه إلى حيث يريد .
A E وعلى هذين المعنيين لا يكون في الآية ما يؤذن بقصد تحديد الإتيان بأن يكون في مكان النسل ويعضد هذين المعنيين تذييل الكلام بجملة ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) وهو ارتفاق بالمخاطبين بأن ذلك المنع كان لمنفعتهم ليكونوا متطهرين وأما ذكر التوابين فهو إدماج للتنويه بشأن التوبة عند ذكر ما يدل على امتثال ما أمرهم الله به من اعتزال النساء في المحيض أي إن التوبة أعظم شأنا من التطهر أي أن نية الامتثال أعظم من تحقق مصلحة التطهر لكم لأن التوبة تطهر روحاني والتطهر جثماني .
ويجوز أن يكون قوله ( من حيث أمركم الله ) على حقيقة ( من ) في الابتداء وحقيقة ( حيث ) للمكان والمراد المكان الذي كان به أذى الحيض .
وقد قيل : إن جملة ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) معترضة بين جملة ( فإذا تطهرن ) وجملة ( نساؤكم حرث لكم ) .
( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) هذه الجملة تذييل ثان لجملة ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) قصد به الاتفاق بالمخاطبين والتأنس لهم لإشعارهم بأن منعهم من قربان النساء في مدة المحيض منع مؤقت لفائدتهم وأن الله يعلم أن نساءهم محل تعهدهم وملابستهم ليس منعهم منهن في بعض الأحوال بأمر هين عليهم لولا إرادة حفظهم من الأذى كقول عمر بن الخطاب لما حمى الحمى " لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا إنها لبلادهم " وتعتبر جملة ( نساؤكم حرث ) مقدمة لجملة ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) وفيها معنى التعليل للإذن بإتيانهن أنى شاءوا والعلة قد تجعل مقدمة فلو أوثر معنى التعليل لأخرت عن جملة ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ولكن أوثر أن تكون مقدمة للتي بعدها لأنه أحكم نسيج نظم ولتتأتى عقبه الفاء الفصيحة .
والحرث مصدر حرث الأرض إذا شقها بآلة تشق التراب ليزرع في شقوقه زريعة أو تغرس أشجار .
وهو هنا مطلق على معنى اسم المفعول .
وإطلاق الحرث على المحروث وأنواعه إطلاق متعدد فيطلق على الأرض المجعولة للزرع أو الغرس كما قال تعالى ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) أي أرض زرع محجورة على الناس أن يزرعوها .
وقال ( والخيل المسومة والأنعام والحرث ) أي الجنات والحوائط والحقول .
وقال ( كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ) أي أهلكت زرعهم .
وقال ( فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) يعنون به جنتهم أي صارمين عراجين التمر