والملاقاة : مفاعلة من اللقاء وهو الحضور لدى الغير بقصد أو مصادفة . وأصل مادة لقي تقتضي الوقوع بين شيئين فكانت مفيدة معنى المفاعلة بمجردها فلذلك كان لقي ولاقي بمعنى واحد وإنما أمرهم الله بعلم أنهم ملاقوه مع أن المسلمين يعلمون ذلك تنزيلا لعلمهم منزلة العدم في هذا الشأن ليزاد من تعليمهم اهتماما بهذا المعلوم وتنافسا فيه على أننا رأينا أن في افتتاح الجملة بكلمة : اعلموا اهتماما بالخبر واستنصاتا له وهي نقطة عظيمة سيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) في سورة الأنفال .
وقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج ؛ فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة الله هو الحاصل أولا ثم يعقبه الأمر بالتقوى ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر بالاستعداد ليوم الجزاء وأعقب بالأمر بالتقوى إشعارا بأنها هي الاستعداد ثم ذكروا بأنهم ملاقو الله فجاء ذلك بمنزلة التعليل .
وقوله ( وبشر المؤمنين ) تعقيب للتحذير بالبشارة والمراد : المؤمنون الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء الله كما جاء : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وذكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام المتقدمة من كمال الإيمان وجملة : وبشر المؤمنين معطوفة على جملة : واعلموا أنكم ملاقوه على الأظهر من جعل جملة : نساؤكم حرث لكم استئنافا غير معمولة لقل هو أذى وإذا جعلت جملة نساؤكم من معمول القول كانت جملة ( وبشر ) معطوفة على جملة ( قل هو أذى ) ؛ إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني .
A E ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم [ 224 ] ) جملة معطوفة على جملة ( نساؤكم حرث لكم ) عطف تشريع على تشريع فالمناسبة بين الجملتين تعلق مضمونيهما بأحكام معاشرة الأزواج مع كون مضمون الجملة الأولى منعا من قربان الأزواج في حالة الحيض وكون مضمون هذه الجملة ( للذين يؤلون من نسائهم ) فوقع هذا التمهيد موقع الاعتراض بين جملة ( نساؤكم حرث لكم ) وجملة ( للذين يؤلون من نسائهم ) وسلك فيه طريق العطف لأنه نهي عطف على نهي في قوله ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) وقال التفتازاني : الأظهر أنه معطوف على مقدر أي امتثلوا ما أمرت به ولا تجعلوا الله عرضة اه . وفيه تكلف وخلو عن إبداء المناسبة وجوز التفتازاني : أن يكون معطوفا على الأوامر السابقة وهي ( وقدموا ) و ( واتقوا ) و ( واعلموا أنكم ملاقوه ) اه أي فالمناسبة أنه لما أمرهم باستحضار يوم لقائه بين لهم شيئا من التقوى دقيق المسلك شديد الخفاء وهو التقوى باحترام الاسم المعظم ؛ فإن التقوى من الأحداث التي إذا تعلقت بالأسماء كان مفادها التعلق بمسمى الاسم لا بلفظه لأن الأحكام اللفظية إنما تجري على المدلولات إلا إذا قام دليل على تعلقها بالأسماء مثل سميته محمدا فجيء بهذه الآية لبيان ما يترتب على تعظيم اسم الله واتقائه في حرمة أسمائه عند الحنث مع بيان ما رخص فيه من الحنث أو لبيان التحذير من تعريض اسمه تعالى للاستخفاف بكثرة الحلف حتى لا يضطر إلى الحنث على الوجهين الآتيين وبعد هذا التوجيه كله فهو يمنع منه أن مجيء قوله تعالى ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) مجيء التذييل للأحكام السابقة مانع من اعتبار أن يعطف عليه حكم معتد به لأنه يطول به التذييل وشأن التذييل الإيجاز وقال عبد الحكيم : معطوف على جملة قل بتقدير قل أي : وقل لا تجعلوا الله عرضة أو على قوله : ( وقدموا ) إن جعل قوله ( وقدموا ) من جملة مقول قل وذكر جمع المفسرين عن ابن جريج إنها نزلت حين حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق على قريبه مسطح بن أثاثة لمشاركته الذين تكلموا بخبر الإفك عن عائشة Bها وقال الواحدي عن الكلبي : نزلت في عبد الله بن رواحة : حلف ألا يكلم ختنة على أخته بشير ابن النعمان ولا يدخل بيته ولا يصلح بينه وبين امرأته وأياما كان فواو العطف لابد أن تربط هذه الجملة بشيء من الكلام الذي قبلها .
وتعلق الجعل بالذات هنا هو على معنى التعليق بالاسم فالتقدير : ولا تجعلوا اسم الله وحذف لكثرة الاستعمال في مثله عند قيام القرينة لظهور عدم صحة تعلق الفعل بالمسمى كقول النابغة :