وإما على تقدير أن تكون العرضة بمعنى الشيء المعرض لفعل في غرض فالمعنى لا تجعلوا اسم الله معرضا لأن تحلفوا به في الامتناع من البر والتقوى والإصلاح بين الناس فالأيمان على ظاهره وهي الأقسام واللام متعلقة بعرضة وأن تبروا مفعول الأيمان بتقدير " لا " محذوفة بعد " أن " والتقدير ألا تبروا نظير قوله تعالى ( يبين الله لكم أن تضلوا ) وهو كثير فتكون الآية نهيا عن الحف بالله على ترك الطاعات ؛ لأن تعظيم الله لا ينبغي أن يكون سببا في قطع ما أمر الله بفعله وهذا النهي يستلزم : إنه إن وقع الحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح أنه لا حرج في ذلك وأنه يكفر عن يمينه ويفعل الخير .
أو معناه : لا تجعلوا اسم الله معرضا للحلف كما قلنا ويكون قوله ( أن تبروا ) مفعولا لأجله وهو علة للنهي ؛ أي إنما نهيتكم لتكونوا أبرارا أتقياء مصلحين وفي قريب من هذا قال مالك " بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء ) وعليه فتكون الآية نهيا عن الإسراع بالحلف لأن كثرة الحلف . تعرض الحالف للحنث . وكانت كثرة الأيمان من عادات الجاهلية في جملة العوائد الناشئة عن الغضب ونعر الحمق فنهى الإسلام عن ذلك ولذلك تمدحوا بقلة الأيمان قال كثير : .
قليل الألايي حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت وفي معنى هذا أن يكون العرضة مستعار لما يكثر الحلول حوله أي لا تجعلوا اسم الله كالشيء المعرض للقاصدين . وليس في الآية على هذه الوجوه ما يفهم الإذن في الحلف بغير الله لما تقرر من النهي عن الحلف بغير اسم الله وصفاته .
A E وقوله ( والله سميع عليم ) تذييل والمراد منه العلم بالأقوال والنيات والمقصود لازمه : وهو الوعد على الامتثال على جميع التقادير والعذر في الحنث على التقدير الأول والتحذير من الحلف على التقدير الثاني .
وقد دلت الآية على معنى عظيم : وهو أن تعظيم الله لا ينبغي أن يجعل وسيلة لتعطيل ما يحبه الله من الخير فإن المحافظة على البر في اليمين ترجع إلى تعظيم اسم الله تعالى وتصديق الشهادة به على الفعل المحذوف عليه وهذا وإن كان مقصدا جليلا يشكر عليه الحالف الطالب للبر ؛ لكن التوسل به لقطع الخيرات مما لا يرضي به الله تعالى فقد تعارض أمران مرضيان لله تعالى إذا حصل أحدهما لم يحصل الآخر . والله يأمرنا أن نقدم أحد الأمرين المرضيين له وهو ما فيه تعظيمه بطلب إرضائه مع نفع خلقه بالبر والتقوى والإصلاح دون الأمر الذي فيه إرضاؤه بتعظيم اسمه فقط إذ قد على الله تعالى : أن تعظيم اسمه قد حصل عند تحرج الحالف من الحنث فبر اليمين أدب مع اسم الله تعالى والإتيان بالأعمال الصالحة مرضاة لله ؛ فأمر الله بتقديم مرضاته على الأدب مع اسمه كما قيل : الامتثال مقدم على الأدب . وقد قال النبي A : " إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير " ولأجل ذلك لما أقسم أيوب أن يضرب امرأته مائة جلدة أمره الله أن يأخذ ضغثا من مائة عصا فيضربها به وقد علم الله أن هذا غير مقصد أيوب ؛ ولكن لما لم يرض الله من أيوب أن يضرب امرأته نهاه عن ذلك وأمره بالتحلل محافظة على حرص أيوب على البر في يمينه وكراهته أن يتخلف منه معناده في تعظيم اسم ربه فهذا وجه من التحلة أفتى الله به نبيه ولعل الكفارة لم تكن مشروعة . فهي من يسر الإسلام وسماحته . فقد كفانا الله ذلك إذ شرع لنا تحلة اليمين بالكفارة ؛ ولذلك صار لا يجزئ في الإسلام أن يفعل الحالف مثل ما فعل أيوب .
( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم [ 225 ] ) استئناف بياني لأن الآية السابقة لما أفادت النهي عن التسرع بالحلف إفادة صريحة أو التزاميه كانت نفوس السامعين بحيث يهجس بها التفكر والتطلع إلى حكم اليمين التي تجري على الألسن . ومناسبته لما قبله ظاهرة لا سيما إن جعلت قوله ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) نهيا عن الحلف .
والمؤاخذة مفاعلة من الأخذ بمعنى العد والمحاسبة يقال أخذه بكذا أي عده عليه ليعاتبه أو يعاقبه قال كعب بن زهير : .
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل
