وقد اختلف العلماء في المراد من لغو اليمين في هذه الآية فذهب الجمهور إلى أن اللغو هو اليمين التي تجري على اللسان لم يقصد المتكلم بها الحلف ولكنها جرت مجرى التأكيد . أو التنبيه كقول العرب : لا والله وبلى والله وقول القائل : والله لقد سمعت من فلان كلاما عجبا وغير هذا ليس بلغو وهذا قول عائشة رواه عنها في الموطأ والصحاح وإليه ذهب الشعبي وأبو قلابة وعكرمة ومجاهد وأبو صالح وأخذ به الشافعي . والحجة له أن الله قد جعل اللغو قسيما للتي كسبها القلب في هذه الآية وللتي عقد عليها الحالف اليمين في قوله : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) فما عقدتم الأيمان هو ما كسبته القلوب ؛ لأن ما كسبت قلوبكم مبين فيحمل عليه مجمل ( ما عقدتم ) فتعين أن تكون اللغو هي التي لا قصد فيها إلى الحلف وهي التي تجري على اللسان دون قصد وعليه فمعنى نفي المؤاخذة نفي المؤاخذة بالإثم وبالكفارة ؛ لأن نفي الفعل يعم فاليمين التي لا قصد فيها لا إثم ولا كفارة عليها وغيرها تلزم فيه الكفارة للخروج من الإثم بدليل آية المائدة ؛ إذ فسر المؤاخذة فيها بقوله ( فكفارته إطعام عشرة مساكين ) فيكون في الغموس وفي يمين التعليق وفي اليمين على الظن ثم يتبين خلافه الكفارة في جميع ذلك .
وقال مالك : " لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه كذلك ثم يتبين خلاف ظنه " قال في الموطأ : " وهذا أحسن ما سمعت إلى في ذلك " وهو مروي في غير الموطأ عن أبي هريرة ومن قال به الحسن وإبراهيم وقتادة والسدي ومكحول وابن أبي نجيح .
ووجهه من الآية : أن الله تعالى جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين ولا تكون المؤاخذة إلا على الحنث لا أصل القسم ؛ إذ لا مؤاخذة لأجل مجرد الحلف لا سيما مع البر فتعين أن يكون المراد من كسب القلب كسبه الحنث أي تعمده الحنث فهو الذي فيه المؤاخذة والمؤاخذة أجملت في هاته الآية وبينت في آية المائدة بالكفارة فالحالف على ظن يظهر بعد خلافه لا تعمد عنده للحنث فهو اللغو فلا مؤاخذة فيه أي لا كفارة وأما قول الرجل : لا والله وبلى والله وهو كاذب فهو عند مالك قسم ليس بلغو لأن اللغوية تتعلق بالحنث بعد اعتقاد الصدق والقائل ( لا والله ) كاذبا لم يتبين حنثه له بعد اليمين بل هو غافل عن كونه حالفا فإذا انتبه للحلف وجبت عليه المفازة لأنه حلفها حين حلفها وهو حانث .
A E وإنما جعلنا تفسير ما كسبت قلوبكم كسب القلب للحنث لأن مساق الآية في الحنث لأن قوله ( لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) إما إذن في الحنث أو نهي عن الحلف خشية الحنث على الوجهين الماضيين وقوله ( لا يؤاخذكم الله ) بيان وتعليل لذلك وحكم البيان حكم المبين لأنه عينه .
وقال جماعة : اللغو ما لم يقصد به الكذب فتشمل القسمين سواء كان بلا قصد كالتي تجري على الألسن في ( لا والله وبلى والله ) أم كان بقصد مع اعتقاد الصدق فتبين خلافه . وممن قال بهذا : ابن عباس والشعبي وقال به أبو حنيفة فقال : اللغو لا كفارة فيها ولا إثم .
واحتج لذلك بأن الله تعالى جعل اللغو هنا مقابلا لما كسبته القلوب ونفي المؤاخذة عن اللغو وأثبتها لما كسبه القلب والمؤاخذة لا محالة على الحنث لا على أصل الحلف فاللغو هي التي لا حنث فيها ؛ ولم ير بين آية البقرة وآية المائدة تعارضا حتى يحمل إحداهما على الأخرى بل قال : إن آية البقرة جعلت اللغو مقابلا لما كسبه القلب وأثبت المؤاخذة لما كسبه القلب أي عزمت عليه النفس والمؤاخذة مطلقة تنصرف إلى أكمل أفرادها وهي العقوبة الأخروية فيتعين أنه ما كسبته القلوب أريد به الغموس ؛ وجعل في آية المائدة اللغو مقابلا للأيمان المعقودة والعقد في الأصل : الربط وهو معناه لغة وقد أضافه إلى الأيمان فدل على أنها اليمين التي فيها تعليق وقد فسر المؤاخذة فيها بقوله : فكفارته إطعام الخ فظهر من الآيتين أن اللغو ما قابل الغموس والمنعقدة وهو نوعان لا محالة وظهر حكم الغموس وهي الحلف بقصد الكذب فهو الإثم وحكم المنعقدة أنه الكفارة فوافق مالكا في الغموس وخالفه في أحد نوعي اللغو وهذا تحقيق مذهبه .
وفي اللغو غير هذه المذاهب مذاهب أنهاها ابن عطية إلى عشرة لا نطيل بها
