والبوء : الرجوع وهو هنا المقر لأنه يبوء إليه صاحبه . وانتصب ( المؤمنين ) على انه مفعول أول ل ( تبوئ ) ( ومقاعد ) مفعول ثاني إجراء لفعل تبوئ مجرى تعطي . والمقاعد جمع مقعد . وهو مكان القعود أي الجلوس على الأرض والقعود ضد الوقوف والقيام وإضافة مقاعد لأسم ( القتال ) قرينة على انه أطلق على المواضع اللائقة بالقتال التي يثبت فيها الجيش ولا ينتقل عنها لأنها لائقة بحركاته فأطلق المقاعد هنا على مواضع القرار كناية أو مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق وشاع ذلك في الكلام حتى ساوى المقر والمكان ومنه قوله تعالى ( في مقعد صدق ) .
واعلم أن كلمة مقاعد جرى فيها على الشريف الرضي نقد إذ قال في رثاء أبي إسحاق الصابئ : .
أعزز علي بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العواد ذكر ابن الأثير في المثل السائر أن ابن سنان قال : إيراده هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح إلا انه موافق لما يكره ذكره لاسيما وقد أضافه إلى من تحتمل إضافته إليه وهم العواد ولو أنفرد لكان الأمر سهلا . وقال أبن الأثير : قد جاءت هذه اللفظة في القرآن فجاءت مرضية وهي قوله تعالى ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) ألا ترى أنها في هذه الآية غير مضافة إلى من تقبح أضافتها إليه .
A E ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون [ 123 ] إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين [ 124 ] بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [ 125 ] ) إذ قد كانت وقعة أحد لم تنكشف عن نصر المسلمين عقب الله ذكرها بأن ذكرهم الله تعالى نصره إياهم النصر الذي قدره لهم يوم بدر وهو نصر عظيم إذ كان نصر فئة قليلة على جيش كثير ذي عدد وافرة وكان قتلى المشركين يومئذ سادة قريش وأئمة الشرك وحسبك بأبي جهل ابن هشام ولذلك قال تعالى ( وأنتم أذلة ) أي ضعفاء . والذل ضد العز فهو الوهن والضعف . وهذا تعريض بأن انهزام يوم أحد لا يفل حدة المسلمين لأنهم صاروا أعزة . والحرب سجال .
وقوله ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) اعتراض بين جملة ( ولقد نصركم الله ببدر ) ومتعلق فعلها أعني ( إذ تقول للمؤمنين ) . والفاء للتفريع والفاء تقع في الجملة المعترضة على الأصح خلافا لمن منع ذلك من النحويين . . فأنه لما ذكرهم بتلك المنة العظيمة ذكرهم بأنها سبب للشكر فأمرهم بالشكر بملازمة التقوى تأدبا بنسبة قوله تعالى ( لإن شكرتم لأزيدنكم ) .
ومن الشكر على ذلك النصر أن يثبتوا في قتال العدو وامتثال أمر النبي A وأن لا تفل حدتهم هزيمة يوم أحد .
وظرف ( إذ تقول للمؤمنين ) زماني وهو متعلق ( بنصركم ) لأن الوعد بنصره الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد . هذا قول جمهور المفسرين . وخص هذا الوقت بالذكر لأنه كان وقت ظهور هذه المعجزة وهذه النعمة فكان جديرا بالتذكير والامتنان .
والمعنى : إذ تعد المؤمنين بإمداد الله بالملائكة فما كان قول النبي A لهم تلك المقالة إلا بوعد أوحاه الله إليه أن يقوله . والاستفهام في قوله ( ألن يكفيكم ) تقريري والتقريري يكثر أن يورد على النفي كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ) في سورة البقرة .
وإنما جيء في النفي بحرف لن الذي يفيد تأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا يوم بدر لقلتهم وضعفهم مع كثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من كفاية هذا المدد من الملائكة فأوقع الاستفهام التقريري على ذلك ليكون تلقينا لمن يخالج نفسه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة بأن يصرح بما في نفسه والمقصود من ذلك لازمة وهذا إثبات أن ذلك العدد كاف .
ولأجل كون الاستفهام غير حقيقي كان جوابه من قبل السائل بقوله ( بلى ) لأنه مما لاتسع المماراة فيه كما سيأتي في قوله تعالى ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ) في سورة الأنعام فكان ( بلى ) إبطالا للنفي وإثباتا لكون ذلك العدد كافيا وهو من تمام مقالة النبي A للمؤمنين