وذهب بعض المفسرين الأولين : مثل مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري : إلى أن القول المحكي في قوله تعالى ( إذ تقول للمؤمنين ) قول صادر يوم أحد قالوا وعدهم الله بالمدد من الملائكة على شرط أن يصبروا فلما لم يصبروا واستبقوا إلى طلب الغنيمة لم يمددهم الله ولا بملك واحد وعلى هذا التفسير يكون ( إذ تقول للمؤمنين ) بدلا من ( وإذ غدوت ) وحينئذ يتعين أن تكون جملة ( ويأتوكم ) مقدمة على المعطوفة هي عليها للوجه المتقدم من تحقيق سرعة النصر ويكون القول في إعراب ( ويأتوكم ) على ما ذكرناه آنفا من الوجهين .
ومعنى ( من فورهم هذا ) المبادرة السريعة فإن الفور المبادرة إلى الفعل وإضافة الفور إلى ضمير الآتين لإفادة شدة اختصاص الفور بهم أي شدة اتصافهم به حتى صار يعرف بأنه فورهم ومن هذا القبيل قولهم خرج من فوره . و ( من ) لابتداء الغاية .
والإشارة بقوله ( هذا ) إلى الفور تنزيلا له منزلة المشاهد القريب وتلك كناية أو استعارة لكونه عاجلا .
A E و ( مسومين ) قرأه الجمهور " بفتح الواو " على صيغة أسم المفعول من سومه وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب " بكسر الواو " بصيغة أسم الفاعل . وهو مشتق من السومة " بضم السين " وهي العلامة مقلوب سمة لأن أصل سمة وسمة . وتطلق السومة على علامة يجعلها البطل لنفسه في الحرب من صوف أو ريش ملون يجعلها على رأسه أو على رأس فرسه يرمز بها إلى انه لا يتقي أن يعرفه أعداؤه فيسددوا إليه سهامهم أو يحملون عليه بسيوفهم فهو يرمز بها إلى أنه واثق بحمايته نفسه بشجاعته وصدق لقائه وأنه لا يعبأ بغيره من العدو وتقدم الكلام عليها في تفسير قوله تعالى ( والخيل المسومة ) في أول هذه السورة . وصيغة التفعيل والاستفعال تكثران في اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة .
ووصف الملائكة بذلك كناية على كونهم شدادا .
وأحسب أن الأعداد المذكورة هنا مناسبة لجيش العدو لأن جيش العدو يوم بدر كان ألفا فوعدهم الله بمدد ألف من الملائكة فلما خشوا أن يلحق بالعدو مدد من كرز المحاربي . وعدهم الله بثلاثة آلاف أي بجيش له قلب وميمنة وميسرة كل ركن منها ألف ولما لن تنقشع خشيتهم من إمداد المشركين لأعدائهم وعدهم الله بخمسة آلاف وهو جيش عظيم له قلب وميمنة وميسره ومقدمة وساقة وذلك هو الخميس وهو أعظم تركيبا وجعل كل ركن مه مساويا لجيش العدو كله .
( وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم [ 126 ] ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين [ 127 ] ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون [ 128 ] ) يجوز أن تكون جملة ( وما جعله اله إلا بشرى ) في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله ( ولقد نصركم الله ببدر ) والمعنى لقد نصركم الله ببدر حين تقول للمؤمنين ما وعدك الله به في حال أن الله ما جعل ذلك الوعد إلا بشرى لكم وإلا فإنه وعدكم النصر كما في قوله تعالى ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) الآية .
ويجوز أن يكون الواو للعطف عطف الإخبار على التذكير والامتنان . وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار للتنويه بهذه العناية من الله بهم والخطاب للنبي A والمسلمين .
وضمير النصب في قوله ( جعله ) عائد إلى الإمداد المستفاد من ( يمددكم ) أو إلى الوعد المستفاد من قوله ( إن تصبروا وتتقوا ) الآية .
والاستثناء مفرغ . و ( بشرى ) مفعول ثان ل ( جعله ) أي ما جعل الله الإمداد والوعد به إلا أنه بشرى أي جعله بشرى ولم يجعله غير ذلك .
و ( لكم ) متعلق ب ( بشرى ) . وفائدة التصريح به مع ظهور أن البشرى إليهم هي الدلالة على تكريمه الله تعالى إياهم بأن بشرهم بشرى لأجلهم كما في التصريح بذلك في قوله تعالى ( ألم نشرح لك صدرك ) .
والبشرى اسم لمصدر بشر كالرجعي والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرة للمخبر به فإن الله لما وعدهم بالنصر أيقنوا به فكان في تبيين سببه وهو الإمداد بالملائكة طمأنة لنفوسهم لأن النفوس تركن إلى الصور المألوفة