@ 425 @ البحث من باب دلالة المفهوم كما أوضحناه قريبًا ؛ لأن العمومات المذكورة لا يصح تخصيص عمومها إلا بدليل منطوقًا كان أو مفهومًا ، كما تقدّم إيضاحه . .
وأمّا قول سعيد بن المسيّب والشافعي ، بأن آية : { الزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } ، منسوخة بقوله : { وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ } فهو مستبعد ؛ لأن المقرّر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنه لا يصحّ نسخ الخاص بالعام ، وأن الخاص يقضى على العام مطلقًا ، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخّر ، ومعلوم أن آية { وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ } ، أعمّ مطلقًا من آية : { الزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } ، فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرّر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين ، وإنما يجوز ذلك على المقرّر في أصول أبي حنيفة رحمه اللَّه ، كما قدمنا إيضاحه في سورة ( الأنعام ) ، وقد يجاب عن قول سعيد ، والشافعي بالنسخ بأنهما فهماه من قرينة في الآية ، وهي أنه لم يقيد الأيامى الأحرار بالصلاح ، وإنما قيّد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء ، ولذا قال بعد الآية : { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا ؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج ، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك ، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلّقة بالآية ، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية : التزويج ، ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسّف ، وهو أن أصحّ الأقوال عند الأصوليين كما حرّره أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرءان ، وعزاه لأجلاّء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه ، أو معانيه ، فيجحوز أن تقول : عدا اللصوص البارحة على عين زيد ، وتعني بذلك أنهم عوّروا عينه الباصرة وغوّروا عينه الجارية ، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضّته . .
وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج ، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما ، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقًا ، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه ، فيحمل النكاح في الآية على الوطء ، وعلى التزويج معًا ، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد ، وهذا هو نوع التعسّف الذي أشرنا له ، والعلم عند اللَّه تعالى .
