@ 43 @ لأنه لا يذكره منهم أحد عند وجوده في الدنيا ، وما لا علم للإنسان به لا يكون حجة عليه . فإن قيل إخبار الرسل بالميثاق المذكور كاف في ثبوته قلنا : قال ابن كثير في تفسيره : ( الجواب عن ذلك أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره ، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد ، ولهذا قال : { أَن تَقُولُواْ } اه منه بلفظه . .
فإذا علمت هذا الوجه الذي ذكرنا في تفسير الآية ، وما استدل عليه قائله به من القرآن . فاعلم أن الوجه الآخر في معنى الآية : أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر ، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال : { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى } ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده . .
قال مقيده عفا الله عنه هذا الوجه الأخير يدل له الكتاب والسنة . .
أما وجه دلالة القرآن عليه ، فهو أن مقتضى القول الأول أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض ، وما فيهما من غرائب صنع الله . الدالة على أنه الرب المعبود وحده ، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة ، ولو لم يأتيهم نذير والآيات القرآنية مصرحة بكثرة ، بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل ، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة ، وما ركز من الفطرة ، فمن ذلك قوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } فإنه قال فيها : حتى نبعث رسولاً ، ولم يقل حتى نخلق عقولاً ، وننصب أدلة ، ونركز فطرة . .
ومن ذلك قوله تعالى : { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } ، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس ، وينقطع به عذرهم : هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة . .
وهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها بينها في ( طه ) بقوله : { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى } ، وأشار لها في ( القصص ) بقوله : { وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ ءايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل ، ولم يكتف في ذلك
