@ 450 @ لا يرضى الله ، وذلك كقوله : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ } فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعباً جداً ، شاقاً على النفوس ، لا يكاد يسلم من الإخلال به ، إلى من سلمه الله تعالى فلاشك أن نسخ ذلك بقوله : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق ، وهكذا . .
والجواب عن الإشكال الثاني هو أن قوله { أَوْ مِثْلِهَا } يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما . فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون يها خيراً من المنسوخ ، فيكون باعتبار ذاته مماثلاً للمنسوخ ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لا توجد في المنسوخ خيراً من المنسوخ . .
وإيضاحه أن عامة المفسرين يمثلون لقوله { أَوْ مِثْلِهَا } بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام . فإن هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتيهما متماثلان . لأن كل واحد منهما جهة من الجهات ، وهي في حقيقة أنفسها متساوية ، فلا ينافي أن يكون الناسخ مشتملاً على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيراً من المنسوخ بذلك الاعتبار . فإن استقبال بيت الله الحرام تلزمه نتائج متعددة مشار لها في القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس ، منها أنه يسقط به احتجاج كفار مكة على النَّبي صلى الله عليه وسلم بقولهم : تزعم أنك على ملة إبراهيم ولا تستقبل قبلتها وتسقط به حجة اليهود بقولهم : تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا ، وقبلتنا من دينناا وتسقط به أيضاً حجة علماء اليهود فإنهم عندهم في التوراة : أنه صلى الله عليه وسلم سوف يؤمر باستقبال بيت المقدس ، ثم يؤمر بالتحول عنه إلى استقبال بيت الله الحرام . فلو لم يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنه سيحول إلى بيت الله الحرام ، والفرض أنه لم يحول . .
وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدحاض هذه الحجج الباطلة بقوله : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } ثم بين الحكمة بقوله : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } . وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته صلى الله عليه وسلم إلى حب التحويل إلى بيت الله الحرام المشار إليه في قوله تعالى : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } . .
المسألة الخامسة اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام :