@ 316 @ بها ، استقامت أحواله ، وصلحت أعماله ، التي من أكبرها الجهاد في سبيله . فكما أن إيمانهم ، هو الإيمان الحقيقي ، وجزاءهم هو الحق الذي وعدهم الله به ، كذلك أخرج الله رسوله صلى الله عليه وسلم من بيته إلى لقاء المشركين في ( بدر ) بالحق الذي يحبه الله تعالى ، وقد قدره وقضاه . وإن كان المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج ، أن يكون بينهم وبين عدوهم قتال . فحين تبين لهم أن ذلك واقع ، جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ويكرهون لقاء عدوهم ، كأنما يساقون إلى الموت ، وهم ينظرون . والحال أن هذا ، لا ينبغي منهم ، خصوصا بعدما تبين لهم أن خروجهم بالحق ، ومما أمر الله به ، ورضيه ، فهذه الحال ، ليس للجدال فيها محل ، لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق ، والتباس الأمر ، فأما إذا وضح وبان ، فليس إلا الانقياد والإذعان . هذا وكثير من المؤمنين ، لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء ، ولا كرهوا لقاء عدوهم ، وكذلك الذين عاتبهم الله ، انقادوا للجهاد أشد الانقياد ، وثبتهم الله ، وقيض لهم من الأسباب ، ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها . وكان أصل خروجهم ليتعرضوا لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام ، قافلة كبيرة . فلما سمعوا برجوعها من الشام ، ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس ، فخرج معه ثلاث مئة ، وبضعة عشر رجلا ، معهم سبعون بعيرا ، يعتقبون عليها ، ويحملون عليها متاعهم . فسمعت بخبرهم قريش ، فخرجوا لمنع عيرهم ، في عدد كثير وعدد وافرة من السلاح ، والخيل والرجال ، يبلغ عددهم قريبا من الألف . فوعد الله المؤمنين ، إحدى الطائفتين ، إما أن يظفروا بالعير ، أو بالنفير ، فأحبوا العير لقلة ذات يد المسلمين ، ولأنها غير ذات الشوكة ، ولكن الله تعالى ، أحب لهم ، وأراد أمرا أعلى مما أحبوا . أراد أن يظفروا بالنفير ، الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم ، ! 2 < ويريد الله أن يحق الحق بكلماته > 2 ! فينصر أهله ! 2 < ويقطع دابر الكافرين > 2 ! ، أي يستأصل أهل الباطل ، ويري عباده من نصره للحق أمرا لم يكن يخطر ببالهم . ! 2 < ليحق الحق > 2 ! بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه ، ! 2 < ويبطل الباطل > 2 ! بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه ! 2 < ولو كره المجرمون > 2 ! فلا يبالي الله بهم . ^ ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم * إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام * إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان * ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب * ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ) ^ أي : اذكروا نعمة الله عليكم لما قارب التقاؤكم بعدوكم ، استغثتم بربكم ، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم ! 2 < فاستجاب لكم > 2 ! وأغاثكم بعدة أمور : منها : أن الله أمدكم ! 2 < بألف من الملائكة مردفين > 2 ! أي : يردف بعضهم بعضا ، ! 2 < وما جعله الله > 2 ! أي إنزال الملائكة ! 2 < إلا بشرى > 2 ! أي : لتستبشر بذلك نفوسكم ، ! 2 < ولتطمئن به قلوبكم > 2 ! وإلا فالنصر بيد الله ، ليس بكثرة عدد ولا عدد . ! 2 < أن الله عزيز > 2 ! لا يغالبه مغالب ، بل هو القهار ، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة ، ومن العدد والآلات ، ما بلغوا . ! 2 < حكيم > 2 ! حيث قدر الأمور بأسبابها ، ووضع الأشياء مواضعها . ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاسا ! 2 < يغشيكم > 2 ! أي : فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل ، ويكون ! 2 < أمنه > 2 ! لكم ، وعلامة على النصر والطمأنينة . ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث ، وليطهركم من وساوس الشيطان ورجزه . ^ ( وليربط على قلوبكم ) ^ أي : يثبتها فإن ثبات القلب ، أصل ثبات البدن ، ! 2 < ويثبت به الأقدام > 2 ! فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نزل عليها المطر ، تلبدت ، وثبتت به الأقدام . ومن ذلك أن الله أوحى إلى الملائكة ! 2 < إني معكم > 2 ! بالعون والنصر والتأييد . ! 2 < فثبتوا الذين آمنوا > 2 ! أي : ألقوا في قلوبهم ، وألهموهم الجراءة على عدوهم ، ورغبوهم في الجهاد وفضله . ! 2 < سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب > 2 ! الذي هو أعظم جند لكم عليهم . فإن الله إذا ثبت المؤمنين ، وألقى الرعب في قلوب الكافرين ، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم ، ومنحهم الله أكتافهم . ! 2 < فاضربوا فوق الأعناق > 2 ! أي : على الرقاب ! 2 < واضربوا منهم كل بنان > 2 ! أي : مفصل . وهذا خطاب ، إما للملائكة الذين أوحى إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا ، فيكون في ذلك دليل ، أنهم باشروا القتال يوم بدر ، أو للمؤمنين يشجعهم الله ، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين ، وأنهم لا يرحمونهم . ! 2 < ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله > 2 ! أي : حاربوهما ، وبارزوهما بالعداوة . ! 2 < ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب > 2 ! ومن عقابه