@ 370 @ من نهار . فهذا برهان قاطع ، وآية عظيمة على صحة رسالته ، وصدق ما جاء به ، حيث كان وحده ، ولا عشيرة تحميه ، ولا جنود تؤويه . وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم ، وفساد دينهم ، وعيب آلهتهم . وقد حملوا من بغضه ، وعداوته ، ما هو أعظم من الجبال الرواسي ، وهم أهل القدرة والسطوة ، وهو يقول لهم : اجتمعوا ، أنتم وشركاؤكم ، ومن استطعتم ، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد ، فأوقعوا بي ، إن قدرتم على ذلك ، فلم يقدروا على شيء من ذلك . فعلم أنه الصادق حقا ، وهم الكاذبون فيما يوعدون ، ولهذا قال : ! 2 < فإن توليتم > 2 ! عن ما دعوتكم إليه ، فلا موجب لتوليكم ، لأنه تبين أنكم ، لا تولون عن باطل إلى حق ، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته إلى باطل قامت الأدلة على فساده . ومع هذا ! 2 < فما سألتكم من أجر > 2 ! على دعوتي ، وعلى إجابتكم فتقولوا : هذا جاءنا ، ليأخذ أموالنا ، فتمتنعون لأجل ذلك . ! 2 < إن أجري إلا على الله > 2 ! أي : لا أريد الثواب والجزاء ، إلا منه . ^ ( و ) ^ أيضا فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده ، بل ! 2 < أمرت أن أكون من المسلمين > 2 ! فأنا أول داخل ، وأول فاعل ، لما أمرتكم به . ! 2 < فكذبوه > 2 ! بعدما دعاهم ليلا ونهارا ، سرا وجهارا ، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا ، ! 2 < فنجيناه ومن معه في الفلك > 2 ! الذي أمرناه أن يصنعه بأعيينا ، وقلنا له إذا فار التنور : ^ ( فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ) ^ ففعل ذلك . فأمر الله السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض عيونا ، فالتقى الماء على أمر قد قدر : ! 2 < وحملناه على ذات ألواح ودسر > 2 ! تجري بأعيننا ، ! 2 < وجعلناهم خلائف > 2 ! في الأرض ، بعد إهلاك المكذبين . ثم بارك الله في ذريته ، وجعل ذريته هم الباقين ، ونشرهم في أقطار الأرض ، ! 2 < وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا > 2 ! بعد ذلك البيان ، وإقامة البرهان . ! 2 < فانظر كيف كان عاقبة المنذرين > 2 ! وهو : الهلاك المخزي ، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي بعدهم ، لا تسمع فيهم إلا لوما ، ولا ترى إلا قدحا وذما . فليحذر هؤلاء المكذبون ، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين ، من الهلاك ، والخزي والنكال . ^ ( ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) ^ أي : ! 2 < ثم بعثنا من بعده > 2 ! أي : من بعد نوح عليه السلام ! 2 < رسلا إلى قومهم > 2 ! المكذبين ، يدعونهم إلى الهدى ، ويحذرونهم من أسباب الردى . ^ ( فجاءوهم بالبينات ) ^ أي : كل نبي أيد دعوته ، بالآيات الدالة على صحة ما جاء به . ! 2 < فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل > 2 ! يعني : أن الله تعالى عاقبهم ، حيث جاءهم الرسول ، فبادروا بتكذيبه ، فطبع الله على قلوبهم ، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا متمكنين منه ، كما قال تعالى : ! 2 < ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة > 2 ! . ولهذا قال هنا : ! 2 < كذلك نطبع على قلوب المعتدين > 2 ! أي : نختم عليها ، فلا يدخلها خير . وما ظلمهم الله ، ولكنهم ظلموا أنفسهم ، بردهم الحق ، لما جاءهم ، وتكذيبهم الأول . ^ ( ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن ه ذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر ه ذا ولا يفلح الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين * وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم * فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون * فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون * فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين * وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين * وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين * وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون * وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إل ه إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون * ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جآءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) ^ أي : ! 2 < ثم بعثنا من بعدهم > 2 ! أي : من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلهم الله إلى القوم المكذبين المهلكين . ! 2 < موسى > 2 ! بن عمران ، كليم الرحمن ، أحد أولي العزم من المرسلين ، وأحد الكبار المقتدى بهم ، المنزل عليهم الشرائع المعظمة الواسعة . ^ ( و ) ^ وجعلنا معه أخاه ! 2 < هارون > 2 ! وزيرا وبعثناهما ^ ( إلى فرعون وملإه ) ^ أي : كبار دولته ورؤسائهم ، لأن عامتهم ، تبع للرؤساء . ! 2 < بآياتنا > 2 ! الدالة على صدق ما جاءا به من توحيد الله ، والنهي عن عبادة ما سوى الله تعالى ، ! 2 < فاستكبروا > 2 ! عنها ، ظلما وعلوا ، بعدما استيقنوها . ! 2 < وكانوا قوما مجرمين > 2 ! أي : وصفهم الإجرام والتكذيب . ! 2 < فلما جاءهم الحق من عندنا > 2 ! الذي هو أكبر أنواع الحق وأعظمها ، وهو من عند الله ، الذي خضعت لعظمته الرقاب ، وهو رب العالمين ، المربي جميع خلقه بالنعم . فلما جاءهم الحق من عند الله على يد موسى ، ردوه فلم يقبلوه ، و ! 2 < قالوا إن هذا لسحر مبين > 2 ! لم يكفهم قبحهم الله إعراضهم ولا ردهم إياه ، حتى جعلوه أبطل الباطل ، وهو السحر : الذي حقيقته التمويه ، بل جعلوه سحرا مبينا ، ظاهرا ، وهو الحق
