@ 392 @ فيهم بقايا مصلحون ، لما أفسد الناس ، قائمون بدين الله ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، ويبصرونهم من العمى . وفي هذه الحال ، أعلى حالة يرغب فيها الراغبون ، وصاحبها يكون إماما في الدين ، إذ جعل عمله خالصا لرب العالمين . ^ ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) ^ أي : وما كان الله ليهلك القرى بظلم منه لهم ، والحال أنهم مصلحون ، أي : مقيمون على الصلاح ، مستمرون عليه . فما كان الله ليهلكهم إلا إذا ظلموا ، وقامت عليهم حجة الله . ويحتمل أن المعنى : وما كان ربك ليهلك القرى بظلمهم السابق ، إذا رجعوا وأصلحوا عملهم . فإن الله يعفو عنهم ، ويمحو ما تقدم من ظلمهم . ^ ( ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) ^ يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الدين الإسلامي ، فإن مشيئته غير قاصرة ، ولا يمتنع عليه شيء ، ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين ، مخالفين للصراط المستقيم ، متبعين للسبل الموصلة إلى النار ، كل يرى الحق فيما قاله ، والضلال في قول غيره . ^ ( إلا من رحم ربك ) ^ فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به ، والاتفاق عليه ، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة ، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي . وأما من عداهم فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم . وقوله : ^ ( ولذلك خلقهم ) ^ أي : اقتضت حكمته ، أنه خلقهم ، ليكون منهم السعداء والأشقياء ، والمتفقون والمختلفون ، والفريق الذي هدى الله ، والفريق الذي حقت عليهم الضلالة ، ليتبين للعباد عدله ، وحكمته ، وليظهر ما كمن من الطباع البشرية من الخير والشر ، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء . ^ ( و ) ^ لأنه ^ ( تمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) ^ فلا بد أن ييسر للنار أهلا ، يعملون بأعمالها الموصلة إليها . ^ ( وك لا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجآءك في ه ذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين * وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون * ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ) ^ لما ذكر في هذه السورة من أخبار الأنبياء ، ما ذكر ، ذكر الحكمة في ذكر ذلك فقال : ^ ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) ^ أي ، قلبك ليطمئن ، ويثبت ، وتصبر ، كما صبر أولو العزم من الرسل . فإن النفوس تأنس بالاقتداء ، وتنشط على الأعمال ، وتريد المنافسة لغيرها ، ويتأيد الحق بذكر شواهده ، وكثرة من قام به . ^ ( وجاءك في هذه ) ^ السورة ! 2 < الحق > 2 ! اليقين ، فلا شك فيه بوجه من الوجوه ، فالعلم بذلك من العلم بالحق الذي هو أكبر فضائل النفوس . ^ ( وموعظة وذكرى للمؤمنين ) ^ أي : يتعظون به ، فيرتدعون عن الأمور المكروهة ، ويتذكرون الأمور المحبوبة لله ، فيفعلونها . وأما من ليس من أهل الإيمان ، فلا تنفعهم المواعظ ، وأنواع التذكير ، ولهذا قال : ^ ( وقل للذين لا يؤمنون ) ^ بعدما قامت عليهم الآيات ، ! 2 < اعملوا على مكانتكم > 2 ! أي : حالتكم التي أنتم عليها ^ ( إنا عاملون ) ^ على ما كنا عليه ^ ( وانتظروا ) ^ ما يحل بنا ! 2 < إنا منتظرون > 2 ! ما يحل بكم . وقد فصل الله بين الفريقين ، وأرى عباده نصره لعباده المؤمنين ، وقمعه لأعداء الله المكذبين . ^ ( ولله غيب السموات والأرض ) ^ أي : ما غاب فيهما من الخفايا ، والأمور الغيبية . ^ ( وإليه يرجع الأمر كله ) ^ من الأعمال والعمال ، فيميز الخبيث من الطيب . ^ ( فاعبده وتوكل عليه ) ^ أي : قم بعبادته ، وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه ، وتوكل على الله في ذلك . ^ ( وما ربك بغافل عما تعملون ) ^ من الخير والشر ، بل قد أحاط علمه بذلك ، وجرى به قلمه ، وسيجري عليه حكمه ، وجزاؤه . تم تفسير سورة هود والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وسلم وكان الفراغ من نسخه في يوم السبت 21 من شهر ربيع الآخر سنة 1347 .
