@ 420 @ أن يقع في علمه نقص ، أو خلل ، ولهذا قال : ^ ( وعنده أم الكتاب ) ^ أي : اللوح المحفوظ ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء ، فهو أصلها ، وهي فروع وشعب . فالتغيير والتبديل ، يقع في الفروع والشعب ، كأعمال اليوم والليلة ، التي تكتبها الملائكة ، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ، ولمحوها أسبابا ، لا تتعدى تلك الأسباب ، ما رسم في اللوح المحفوظ ، كما جعل الله البر ، والصلة ، والإحسان ، من أسباب طول العمر ، وسعة الرزق ، وكما جعل المعاصي ، سببا لمحق بركة الرزق والعمر ، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب ، سببا للسلامة . وجعل التعرض لذلك ، سببا للعطب ، فهو الذي يدبر الأمور ، بحسب قدرته وإرادته ، وما يدبره منها ، لا يخالف ما قد علمه وكتبه ، في اللوح المحفوظ . ^ ( وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب * أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ) ^ يقول تعالى ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تعجل عليهم ، بإصابة ما يوعدون من العذاب ، فهم إن استمروا على طغيانهم وكفرهم ، فلا بد أن يصيبهم ما وعدوا به ، إما ! 2 < نرينك > 2 ! إياه في الدنيا ، فتقر بذلك عينك . بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد فلا يتعقبها أحد ، ولا سبيل إلى القدح فيها . ! 2 < أو نتوفينك > 2 ! قبل إصابتهم ، فليس ذلك شغلا لك ! 2 < فإنما عليك البلاغ > 2 ! والتبيين للخلق . ^ ( وعلينا الحساب ) ^ فنحاسب الخلق على ما قاموا به ، بما عليهم ، أو ضيعوه ، ونثيبهم أو نعاقبهم . ثم قال متوعدا للمكذبين : ^ ( أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) ^ قيل بإهلاك المكذبين ، واستئصال الظالمين ، وقيل : بفتح بلدان المشركين ، ونقصهم في أموالهم وأبدانهم ، وقيل غير ذلك من الأقوال . والظاهر والله أعلم أن المراد بذلك ، أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل الله يفتحها ويجتاحها ، ويحل القوارع بأطرافها ، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص ، ويوقع الله بهم من القوارع ، ما لا يرده أحد ، ولهذا قال : ^ ( والله يحكم لا معقب لحكمه ) ^ ويدخل في هذا ، حكمه الشرعي ، والقدري ، والجزائي . فهذه الأحكام ، التي يحكم الله فيها ، توجد في غاية الحكمة والإتقان ، لا خلل فيها ولا نقص ، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد ، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى القدح فيها ، بخلاف حكم غيره ، فإنه قد يوافق الصواب ، وقد لا يوافقه . ^ ( وهو سريع الحساب ) ^ أي : فلا يستعجلوا بالعذاب ، فإن كل ما هو آت ، فهو قريب . ^ ( وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار * ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) ^ يقول تعالى : ^ ( وقد مكر الذين من قبلهم ) ^ برسلهم ، وبالحق الذي جاءت به الرسل ، فلم يغن عنهم مكرهم ، ولم يصنعوا شيئا ، فإنهم يحاربون الله ويبارزونه ، ^ ( فلله المكر جميعا ) ^ أي : لا يقدر أحد أن يمكر مكرا إلا بإذنه ، وتحت قضائه وقدره . فإذا كانوا يمكرون بدينه ، فإن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والندم ، فإن الله ^ ( يعلم ما تكسب كل نفس ) ^ أي : همومها وإراداتها وأعمالها الظاهرة والباطنة . والمكر لا بد أن يكون من كسبها ، فلا يخفى على الله مكرهم ، فيمتنع أن يمكروا مكرا يضر الحق وأهله ، ويفيدهم شيئا ، ^ ( وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ) ^ أي : ألهم أو لرسله ؟ ومن المعلوم أن العاقبة للمتقين ، لا للكفر وأهله . ^ ( ويقول الذين كفروا لست مرسلا ) ^ أي : يكذبونك ، ويكذبون ما أرسلت به ، ! 2 < قل > 2 ! لهم إن طلبوا على ذلك شهيدا : ^ ( كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ) ^ وشهادته بقوله وفعله وإقراره . أما قوله ، فيما أوحاه الله إلى أصدق خلقه ، مما يثبت به رسالته . وأما فعله ، فلأن الله تعالى أيد رسوله ، ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه ، وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد . وأما إقراره ، فإنه أخبر الرسول عنه ، أنه رسول ، وأنه أمر الناس باتباعه . فمن اتبعه ، فله رضوان الله وكرامته ، ومن لم يتبعه ، فله النار والسخط ، وحل له ماله ودمه ، والله يقره على ذلك ، فلو تقول عليه بعض الأقاويل ، لعاجله بالعقوبة . ^ ( ومن عنده علم الكتاب ) ^ وهذا شامل لكل علماء أهل الكتابين ، فإنهم يشهد منهم للرسول ، من آمن ، واتبع الحق ، فصرح بتلك الشهادة التي عليه . ومن كتم ذلك ، فإخبار الله عنه ، أن عنده شهادة ، أبلغ من خبره ، ولو لم يكن عنده شهادة ، لرد استشهاده بالبرهان ، فسكوته يدل على أن عنده شهادة مكتومة . وإنما أمر الله باستشهاد أهل الكتاب ، لأنهم أهل هذا الشأن ، وكل أمر ، إنما يستشهد فيه أهله ، ومن هم أعلم به من غيرهم ، بخلاف من هو أجنبي عنه ، كالأميين ، من مشركي العرب وغيرهم ، فلا فائدة في
