@ 436 @ أولها ، أصول النعم وقواعدها ، وفي آخرها ، متمماتها ومكملاتها ، فأخبر أنه خلق السموات والأرض بالحق ، ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما ، وما له من نعوت الكمال ، ويعلموا أنه خلقهما سكنا لعباده الذين يعبدونه ، بما يأمرهم به ، في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله ، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال : ! 2 < تعالى عما يشركون > 2 ! أي : تنزه وتعاظم عن شركهم ، فإنه الإله حقا ، الذي لا تنبغي العبادة ، والحب ، والذل ، إلا له تعالى ، ولما ذكر خلق السموات والأرض ، ذكر خلق ما فيهما . وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال : ! 2 < خلق الإنسان من نطفة > 2 ! لم يزل يدبرها ، ويربيها ، وينميها ، حتى صارت بشرا تاما ، كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة ، قد غمره بنعمه الغزيرة ، حتى إذا استتم ، فخر بنفسه وأعجب بها ! 2 < فإذا هو خصيم مبين > 2 ! ، يحتمل أن المراد : فإذا هو خصيم لربه ، يكفر به ، ويجادل رسله ، ويكذب بآياته . ونسي خلقه الأول ، وما أنعم الله عليه به ، من النعم ، فاستعان بها على معاصيه ، ويحتمل أن المعنى : أن الله أنشأ الآدمي من نطفة ، ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور ، حتى صار عاقلا متكلما ، ذا ذهن ورأي ، يخاصم ويجادل ، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال ، التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها . ! 2 < والأنعام خلقها لكم > 2 ! أي : لأجلكم ، ولأجل منافعكم ومصالحكم ، ومن جملة منافعها العظيمة ! 2 < لكم فيها دفء > 2 ! مما تتخذون من أصوافها وأوبارها ، وأشعارها ، وجلودها ، من الثياب ، والفرش ، والبيوت . ^ ( و ) ^ لكم فيها ! 2 < منافع > 2 ! غير ذلك ! 2 < ومنها تأكلون > 2 ! ، ! 2 < ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون > 2 ! أي : في وقت رواحها وسكونها ، ووقت حركتها وسرحها ، وذلك أن جمالها ، لا يعود إليها منه شيء ، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها ، بثيابكم ، وأولادكم ، وأموالكم ، وتعجبون بذلك ، ! 2 < وتحمل أثقالكم > 2 ! من الأحمال الثقيلة ، بل وتحملكم أنتم ! 2 < إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس > 2 ! ولكن الله ذللها لكم . فمنها ما تركبونه ، ومنها ما تحملون عليه ما تشاؤون ، من الأثقال ، إلى البلدان البعيدة ، والأقطار الشاسعة ، ! 2 < إن ربكم لرؤوف رحيم > 2 ! إنه سخر لكم ما تضطرون إليه وتحتاجونه ، فله الحمد ، كما ينبغي لجلال وجهه ، وعظيم سلطانه ، وسعة جوده وبره . ! 2 < والخيل والبغال والحمير > 2 ! سخرناها لكم ! 2 < لتركبوها وزينة > 2 ! ، أي : تارة تستعملونها للضرورة في الركوب ، وتارة لأجل الجمال والزينة ، ولم يذكر الأكل ، لأن البغال والحمير ، محرم أكلها ، والخيل لا تستعمل في الغالب للأكل ، بل ينهى عن ذبحها لأجل الأكل ، خوفا من انقطاعها ، وإلا فقد ثبت في الصحيحين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أذن في لحوم الخيل . ! 2 < ويخلق ما لا تعلمون > 2 ! مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء ، التي يركبها الخلق في البر ، والبحر ، والجو ، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم فإنه لم يذكرها بأعيانها ، لأن الله تعالى لم يذكر في كتابه ، إلا ما يعرفه العباد ، أو يعرفون نظيره . وأما ما ليس له نظير في زمانهم ، فإنه لو ذكر لم يعرفوه ، ولم يفهموا المراد به . فيذكر أصلا جامعا ، يدخل فيه ما يعلمون ، وما لا يعلمون . كما ذكر نعيم الجنة ، سمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره ، كالنخل والأعناب والرمان ، وأجمل ما لا نعرف له نظيرا في قوله : ! 2 < فيهما من كل فاكهة زوجان > 2 ! . فكذلك هنا ، ذكر ما نعرفه ، من المراكب ، كالخيل ، والبغال ، والحمير ، والإبل ، والسفن ، وأجمل الباقي في قوله : ! 2 < ويخلق ما لا تعلمون > 2 ! ، ولما ذكر تعالى ، الطريق الحسنى ، وأن الله قد جعل للعباد ما يقطعونه به من الإبل وغيرها ، ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال : ! 2 < وعلى الله قصد السبيل > 2 ! أي : الصراط المستقيم ، الذي هو أقرب الطرق وأخصرها ، موصل إلى الله ، وإلى كرامته . وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله ، وهو : كل ما خالف الصراط المستقيم ، فهو قاطع عن الله ، موصل إلى دار الشقاء ، فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم ، وضل الغاوون عنه ، وسلكوا الطرق الجائرة ، ! 2 < ولو شاء لهداكم أجمعين > 2 ! ولكنه هدى بعضا ، كرما وفضلا ، ولم يهد آخرين ، حكمة منه وعدلا . ! 2 < هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون > 2 ! ينبه الله تعالى بهذه الآية الإنسان على عظمة قدرته وحثهم على التفكير حيث ختمها بقوله : ! 2 < لقوم يتفكرون > 2 ! على كمال قدرة الله ، الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف ، ورحمته ، حيث جعل فيه ماء