@ 463 @ ونجاهم إلى البر ، ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل ، أشركوا به ، من لا ينفع ، ولا يضر ، ولا يعطي ، ولا يمنع ، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم . وهذا من جهل الإنسان وكفره ، فإن الإنسان كفور للنعم . إلا من هدى الله ، فمن عليه بالعقل السليم ، واهتدى إلى الصراط المستقيم . فإنه يعلم ، أن الذي يكشف الشدائد ، وينجي من الأهوال ، هو الذي يستحق أن يفرد ، وتخلص له سائر الأعمال في الشدة ، والرخاء ، واليسر والعسر . وأما من خذل ، ووكل إلى عقله الضعيف ، فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة ، وإنجاءه في تلك الحال . فلما حصلت له النجاة ، وزالت عنه المشقة ، ظن بجهله ، أنه قد أعجز الله ولم يخطر بقلبه ، شيء من العواقب الدنيوية ، فضلا عن أمور الآخرة . ولهذا ذكرهم الله بقوله : ! 2 < أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا > 2 ! أي : فهو على كل شيء قدير ، إن شاء أنزل عليكم عذابا ، من أسفل منكم بالخسف ، أو من فوقكم بالحاصب ، وهو : العذاب الذي يحصيهم ، فيصبحوا هالكين ، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر . وإن ظننتم ذلك ، فلستم آمنين من ! 2 < أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح > 2 ! أي : ريحا شديدة جدا تقصف ما أتت عليه . ! 2 < فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا > 2 ! أي : تبعة ومطالبة ، فإن الله لم يظلمكم مثقال ذرة . ! 2 < ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا > 2 ! وهذا من كرمه عليهم وإحسانه ، الذي لا يقادر قدره ، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام ، فكرمهم بالعلم والعقل ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وجعل منهم الأولياء والأصفياء ، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة . ! 2 < وحملناهم في البر > 2 ! على الركاب ، من الإبل ، والبغال ، والحمير ، والمراكب البرية . ! 2 < والبحر > 2 ! في السفن والمراكب ! 2 < ورزقناهم من الطيبات > 2 ! من المآكل والمشارب ، والملابس ، والمناكح . فما من طيب تتعلق به حوائجهم ، إلا وقد أكرمهم الله به ، ويسره لهم غاية التيسير . ! 2 < وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا > 2 ! بما خصهم به من المناقب ، وفضلهم به من الفضائل ، التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات . أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ، ودفع النقم ، ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم ، بل ربما استعانوا بها على معاصيه . ^ ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأول ئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان في ه ذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) ^ يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة ، وأنه يدعو كل أناس ، ومعهم إمامهم وهاديهم ، إلى الرشد ، وهم : الرسل ونوابهم ، فتعرض كل أمة ، ويحضرها رسولهم الذي دعاهم . وتعرض أعمالهم على الكتاب ، الذي يدعو إليه الرسول ، هل هي موافقة له أم لا ؟ فينقسمون بهذا قسمين . ! 2 < فمن أوتي كتابه بيمينه > 2 ! لكونه اتبع إمامه ، الهادي إلى صراط مستقيم ، واهتدى بكتابه ، فكثرت حسناته ، وقلت سيئاته ! 2 < فأولئك يقرؤون كتابهم > 2 ! قراءة سرور وبهجة ، على ما يرون فيها ، مما يفرحهم ويسرهم . ! 2 < ولا يظلمون فتيلا > 2 ! مما عملوه من الحسنات . ! 2 < ومن كان في هذه > 2 ! الدنيا ! 2 < أعمى > 2 ! عن الحق ، فلم يقبله ، ولم ينقد له بل اتبع الضلال . ! 2 < فهو في الآخرة أعمى > 2 ! عن سلوك طريق الجنة كما لم يسلكه في الدنيا ! 2 < وأضل سبيلا > 2 ! فإن الجزاء من جنس العمل ، كما تدين تدان . وفي هذه الآية دليل على أن كل أمة تدعى إلى دينها وكتابها ، هل عملت به أم لا ؟ وأنهم لا يؤاخذون بشرع نبي ، لم يؤمروا باتباعه ، وأن الله لا يعذب أحدا ، إلا بعد قيام الحجة عليه ، ومخالفته لها . وأن أهل الخير ، يعطون كتبهم بأيمانهم ويحصل لهم من الفرح والسرور ، شيء عظيم ، وأن أهل الشر بعكس ذلك ، لأنهم لا يقدرون على قراءة كتبهم ، من شدة غمهم ، وحزنهم وثبورهم .
