@ 492 @ ^ ( فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتني مت قبل ه ذا وكنت نسيا منسيا * فناداها من تحتهآ ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحم ن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) ^ أي : لما حملت بعيسى عليه السلام ، خافت من الفضيحة ، فتباعدت عن الناس ! 2 < مكانا قصيا > 2 ! ، فلما قرب ولادها ، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة ، فلما آلمها وجع الولادة ، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب ، ووجع قلبها من قالة الناس ، وخافت عدم صبرها ، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث ، وكانت نسيا منسيا ، فلا تذكر . وهذا التمني بناء على ذلك المزعج ، وليس في هذه الأمنية خير لها ، ولا مصلحة ، وإنما الخير والمصلحة ، بتقدير ما حصل فحينئذ سكن الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها ، لعله من مكان أنزل من مكانها ، وقال لها : لا تحزني ، أي : لا تجزعي ولا تهتمي ، ف ! 2 < قد جعل ربك تحتك سريا > 2 ! أي : نهرا تشربين منه . ! 2 < وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا > 2 ! أي : طريا لذيذا نافعا ! 2 < فكلي > 2 ! من التمر ، ! 2 < واشربي > 2 ! من النهر ! 2 < وقري عينا > 2 ! بعيسى ، فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة ، وحصول المأكل والمشرب والهني . وأما من جهة قالة الناس ، فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر ، أن تقول على وجه الإشارة : ! 2 < إني نذرت للرحمن صوما > 2 ! أي : سكوتا ! 2 < فلن أكلم اليوم إنسيا > 2 ! أي : لا تخاطبيهم بكلام ، لتستريحي من قولهم وكلامهم . وكان معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة ، وإنما لم تؤمر بمخاطبتهم في نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها ، ولا فيه فائدة ، وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد ، أعظم شاهد على براءتها . فإن إتيان المرأة بولد ، من دون زوج ودعواها أنه من غير أحد ، من أكبر الدعاوي ، التي لو أقيم عليها عدة من الشهود ، لم تصدق بذلك ، فجعلت بينة هذا الخارق للعادة ، أمرا من جنسه ، وهو كلام عيسى في حال صغره جدا . ^ ( فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا * يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ) ^ ولهذا قال تعالى : ! 2 < فأتت به > 2 ! إلى ! 2 < أبعث حيا > 2 ! . أي : فلما تعلت مريم من نفاسها ، أتت بعيسى قومها تحمله ، وذلك ، لعلمها ببراءة نفسها وطهارتها ، فأتت غير مبالية ولا مكترثة ، فقالوا : ! 2 < لقد جئت شيئا فريا > 2 ! أي : عظيما وخيما وأرادوا بذلك : البغاء حاشاها من ذلك . ^ ( يا أخت هرون ) ^ الظاهر ، أنه أخ لها حقيقي ، فنسبوها إليه . ! 2 < ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا > 2 ! أي : لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من الشر ، وخصوصا هذا الشر ، الذي يشيرون إليه ، وقصدهم : فكيف كنت على غير وصفهما ؟ وأتيت بما لم يأتيا به ؟ وذلك أن الذرية في الغالب بعضها من بعض ، في الصلاح وضده ، فتعجبوا بحسب ما قام بقلوبهم كيف وقع منها . فأشارت لهم إليه ، أي : كلموه . وإنما أشارت لذلك ، لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها ، أن ، تقول : ! 2 < إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا > 2 ! ، فلما أشارت إليهم بتكليمه ، تعجبوا من ذلك وقالوا : ! 2 < كيف نكلم من كان في المهد صبيا > 2 ! لأن ذلك لم تجر به عادة ، ولا حصل من أحد في ذلك السن . فحينئذ قال عيسى عليه السلام ، وهو في المهد صبي : ! 2 < إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا > 2 ! ، فخاطبهم بوصفه بالعبودية ، وأنه ليس فيه صفة ، يستحق بها أن يكون إلها ، أو ابنا للإله ، تعالى الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى في قوله : ! 2 < إني عبد الله > 2 ! ومدعون موافقته . ! 2 < آتاني الكتاب > 2 ! أي : قضى أن يؤتيني الكتاب ! 2 < وجعلني نبيا > 2 ! فأخبرهم بأنه عبد الله ، وأن الله علمه الكتاب ، وجعله من جملة أنبيائه ، فهذا من كماله لنفسه . ثم ذكر تكميله لغيره فقال : ^ ( وجعلني مباركا أينما كنت ) ^ أي : في أي مكان ، وأي زمان ، فالبركة جعلها الله في من تعليم الخير والدعوة إليه ، والنهي عن الشر ، والدعوة إلى الله في أقواله ، وأفعاله فكل من جالسه ، أو اجتمع به ، نالته بركته ، وسعد به مصاحبه . ! 2 < وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا > 2 ! أي : أوصاني بالقيام بحقوقه ، التي من أعظمها الصلاة ، وحقوق عباده ، التي أجلها الزكاة ، مدة حياتي ، أي : فأنا ممتثل لوصية ربي ، عامل عليها ، منفذ لها . وأوصاني أيضا ، أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان ، وأقوم بما ينبغي لها ، لشرفها وفضلها ، ولكونها والدة ، لها حق الولادة وتوابعها . ! 2 < ولم يجعلني جبارا > 2 ! أي : متكبرا على الله ، مترفعا على عباده ! 2 < شقيا > 2 ! في دنياي وأخراي ، فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا ، متواضعا لعباد الله ، سعيدا في الدنيا والآخرة ، أنا ومن اتبعني . فما تم له الكمال ، ومحامد الخصال قال : ^ ( والسلام علي يوم
