- روى الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه مرفوعا : [ [ من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل . وفي رواية لابن خزيمة : إن العبد إذا تصدق من طيب تقبلها الله منه وأخذها بيمينه فرباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله أو قال في كف الله حتى تكون مثل الجبل فتصدقوا ] ] . وروى مسلم والترمذي مرفوعا : [ [ ما نقصت صدقة من مال ] ] . وروى الترمذي وقال حديث حسن صحيح : [ [ عن عائشة أنهم ذبحوا شاة فقال النبي A ما بقي منها ؟ فقالت عائشة : ما بقي إلا كتفها ؟ فقال A : بقي كلها إلا كتفها ] ] . ومعناه أن ما تصدقوا به هو الباقي . وروى مسلم أن رسول الله A قال : [ [ يقول الإنسان مالي مالي . وإنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأبقى وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس ] ] . وروى أبو يعلي بإسناد صحيح مرفوعا : [ [ والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ] ] . وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه : [ [ إن الصدقة ولو قلت لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ] ] . وفي رواية : [ [ إن الله تعالى ليدرأ بالصدقة سبعين بابا من ميتة السوء ] ] .
وقد روى الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : [ [ كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس ] ] . وقال يزيد بن حبيب : وكان أبو مرة العبدري لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو بكعكة أو بصلة . وفي رواية لابن خزيمة : كان يزيد بن عبدالله أول أهل مصر دخولا المسجد بمصر فما رؤي داخلا قط المسجد إلا وفي كمه صدقة أو فلوس إما قمح وإما خبز حتى ربما حمل البصل فإذا قيل له إنه ينتن ثيابك فيقول إني لم أجد في البيت ما أتصدق به غيره وإن رسول الله A قال : [ [ ظل المؤمن يوم القيامة صدقته ] ] . وروى الطبراني والبيهقي مرفوعا : [ [ إن الصدقة تطفئ عن أهلها حر القبور ] ] . وروى الإمام أحمد والبزار وابن خزيمة من صحيحه مرفوعا : [ [ لا يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطانا ] ] . زاد في رواية البيهقي : كلهم ينهى عنها . وروى الطبراني مرفوعا : [ [ الصدقة تسد سبعين بابا من السوء ] ] . وروى البيهقي مرفوعا : [ [ باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ] ] . وروى موقوفا عن أنس وهو الأشبه قاله الحافظ المنذري والأحاديث في ذلك كثيرة . والله أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نتصدق بكل ما فضل عن حاجتنا ولا ندخر منه شيئا إلا لضرورة شرعية سواء كان مالا أو طعاما أو ثيابا عملا بأخلاق رسول الله A ولا تخلى يوم واحدا من صدقة فإن لم نجد شيئا مما ذكرناه تصدقنا بالتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على رسول الله A ونحو ذلك من صنائع المعروف . وفي الحديث : [ [ صنائع المعروف تقي مصارع السوء ] ] . ومعنى التصدق بالتسبيح وشبهه أن يجعل ثواب ذلك في صحائف المسلمين وهذا العهد يتعين العمل به على كل من كان قدوة في دين الله من العلماء والصالحين فينبغي لأحدهم أن يكون مقداما للناس في كل خير .
وفي ذلك فوائد : منها امتثال أوامر الله تعالى ومنها عكوف الطلبة والمريدين على شيخهم إذا رأوه يعينهم على أمر معاشهم فيتقيدون عليه ويحصلون العلم وينشرون ذلك بعده ومنها دفع البلايا والمحن عنه في ذلك اليوم . ومن هنا قالوا : أقبح من كل قبيح صوفي شحيح وفي المثل السائر أن فلانا وفلانا جلسوا يأكلون كذا وكذا وتركوني مثل قط الفقيه فلم يعزموا علي يعني أن غالب الفقهاء يشح على القط أن يرمي له ورك دجاجة أو رقبتها والأمثال لا تضرب في شيء إلا إذا كان تكرر ذلك الشيء من أهله . ويقولون في المثل : يد تأخذ لا تعطي يعني أن كل من تعود الأخذ من صدقات الناس فهو يشح على غيره .
وقد كان سيدي علي الخواص إذا سأله فقير شيئا ينقسم [ أي يمكن تقسيمه ] كالطعام والفلوس قسم ما عنده في ذلك اليوم بينه وبين ذلك الفقير نصفين ويقول : إن الله تعالى يكره العبد المتميز عن أخيه . وكان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول : إذا طلب منك أحد أن يؤاخيك فاسأله نصف ماله فإن أعطاك النصف فهو أخ وإلا فلا تجبه لصحبة . ثم اعلم يا أخي أن من الأولياء من لم يجعل الله تعالى على يديه شيئا من أرزاق الخلائق لإقامته في حضرة اسمه تعالى المانع فيقول الناس حاشى أن يكون هذا من أولياء الله تعالى فإن من شرط الولي السخاء والتكرم ولو كان هذا من أولياء الله تعالى لكان كريما سخيا وذلك لا يقدح في كمال ولاية ذلك الولي لأنه لم يمنع ذلك بخلا وإنما هو يود أن لو جعل الله على يديه رزقا لأحد وأعطاه له والإثم إنما هو في حق من يمنع بخلا وشحا في الطبيعة وأما من يمنع لحكمة فلا إثم عليه إذ الأولياء على الأخلاق الإلهية درجوا وقد سمى تعالى نفسه المانع ولم يسمه نفسه بخيلا وربما كان ذلك الولي الذي ليس له سماط ولا يطعم أحدا لقمة أعلى في المقام ممن سفرته ممدودة ليلا ونهارا وقد قدمنا قبل هذا العهد قريبا أن من عباد الله الكمل قوما حماهم الله تعالى من مشاركة الحق تعالى في خطور منتهم على أحد من خلقه فلذلك لم يجعل على يدهم رزقا لأحد يتميزون به على أقرانهم خوفا أن يخطر على بالهم المنة على من أخذ منهم ولو في حال العطاء فقط ورأوا أن سلامتهم من مزاحمة الحق في المنة أرجح من ثواب ذلك العطاء كما هو مشهد الكمل من الملامتية في تركهم كثيرا من النوافل التي يرى العبد بها أن قد وفى بحق الربوبية وزاد عليه فافهم .
واسلك يا أخي على يد شيخ ليخرجك من حكم الطبيعة عليك بالشح ويخلصك إلى حضرات الكرم والسخاء فلا تكاد تبخل على فقير كما درج عليه السلف الصالح Bهم . وسمعت سيدي عليا الخواص C تعالى يقول : إذا علمت شيخا يقتدي بك فإياك أن تدع أبناء الدنيا يخرجون عليك في البخل بأن لا تشح بشيء مطلقا إذ من شرط الشيخ أن يكون الألف دينار عنده إذا أعطاها لفقير حكم الحصاة من التراب على حد سواء ومتى استعظمت يا أخي شيئا مما أعطيته فأنت لم تشم من طريق الصالحين شمة . قال : وتأمل الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه لما دخل اليمن أتوه بعشرة آلاف دينار ففرقها في المجلس فصار يفرق منها ويعطي الناس حتى فرغت . وقد حلق شخص لإبراهيم الخواص رأسه على ما يفتح الله به فجاءه وهو يحلق ألف دينار فدفعها إلى المزين فرماها المزين وقال للخواص أما تستحي تقول لي احلق رأسي لله ثم تعطيني شيئا من الدنيا والله ما حلقت لك إلا لله ورماها للناس . وسأل شخص علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين شيئا فأخرج بدرة فيها عشرة آلاف دينار وقال : والله ما وجدت لك غيرها فقال له الشخص أعطني أجرة حملها إلى منزلي فأعطاه طيلسانه فولى وهو يقول أشهد أنك من أولاد المرسلين حقا . وكان علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب إذا وجد على بابه سائلا يقول مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة مني حتى يضعه بين يدي الله D .
قلت : وممن أدركته على هذا القدم الشيخ عبدالحليم بن مصلح ببلاد المنزلة غربي دمياط وسيدي محمد بن المنير المدفون بخارج الخانقاه السرياقوسية والشيخ محمد الشناوي رضي الله تعالى عنهم فرأيت الشيخ عبدالحليم وقد لقيه شخص وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة فقال أعطني هذه الثياب فأعطاها له ولم يرجع إلى البيت وصلى بفوطة حمامي في وسطه . ورأيت الشيخ محمد بن منير أعطى شخصا في طريق الحجاز ماتت جماله خمسمائة دينار فلما وصل الرجل إلى مكة أتى بها فقال له ما أعطيتها لك إلا لله ولم يكن له به معرفة قبل ذلك . وأما الشيخ محمد الشناوي فلا يحصى ما أعطاه للناس من البهائم والخيل والغنم والقمح والنقود والثياب وكان يصرح ويقول : جميع ما يدخل يدي من الدنيا ليس هو خاص بي وإنما أراه مشتركا بيني وبين المحتاجين فكل من كان أحوج قدم مني أو منهم وقد من الله تعالى علي بذلك فلم أر لي بحمد الله تعالى شيئا يخصني من المحتاجين به فالحمد لله رب العالمين .
فاسلك يا أخي على يد شيخ صادق ليخرجك من شح الطبيعة بأفعاله وأقواله وإلا فمن لازمك الشح وبتقدير أنك تعطي الناس ما يسألون فلا يخلو ذلك من علة تؤثر في الإخلاص كما يعرف ذلك أرباب السلوك فإن الشيخ إذا لم يكن فعله سابقا على قوله كان قدوة لهم في الضلال كما إذا أمرهم بقيام الليل ونام هو وبالزهد في الدنيا ورغب هو والله إني لأصلي بالقرآن كاملا في ركعة واحدة في بعض الليالي وأود لأن لو اطلع على ذلك بعض المريدين ليقتدوا بي في ذلك فإني أعلم أني إذا نمت ناموا فبمن يقتدون إذا كنت بالليل نائما وربما أخالف ما آمر الناس به فيعملون معدلي ولو في أنفسهم ويقولون الشيخ يأمرنا بالصلاة في الليل وينام ويأمرنا برمي الدنيا ويجمعها هو ويزهدنا في الدنيا ويأمرنا بإخراجها والتصدق بها ولا نراه يفعل هو شيئا من ذلك بخلاف ما إذا زهد الشيخ وأنفق أو تصدق أمامهم فإنهم ربما يتبعونه و والله إني لأتصدق في بعض الأوقات بالدينار والقميص وأنا أحوج إليه أشد من الآخذ له تنشيطا للإخوان حتى يخرجوا عن مسك اليد وأرى ذلك مقدما على نفع نفسي فاعلم ذلك واعمل عليه والله يتولى هداك { وهو يتولى الصالحين }