- روى الإمام أحمد والترمذي واللفظ له وابن حبان في صحيحه مرفوعا : [ [ من منح منحة لبن أو ورق أو أهدى رفاقا كان له مثل عتق رقبة ] ] . ومعنى قوله منحة ورق : عني به قرض الدرهم وقوله أو أهدى رفاقا : عني به هداية الطريق وإرشاد السبيل . وروى الطبراني إسناد حسن والبيهقي مرفوعا : [ [ كل قرض صدقة ] ] . وروى الطبراني وابن ماجه والبيهقي مرفوعا : [ [ دخل رجل الجنة فرأى على بابها مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر ] ] . قال بعضهم : وذلك أن الصدقة قد تقع في يد غني في الباطن والقرض لا يأخذه إلا محتاج . وروى مسلم وابن ماجه والترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه مرفوعا : [ [ ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرة إلا كان له كصدقتها مرتين ] ] . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نقرض كل من استقرضنا من المحتاجين سواء كان مشهورا بحسن المعاملة أم لا امتثالا لقول الله تعالى : { أقرضوا الله قرضا حسنا } . ومن أقرض الله تعالى من الخلق لا يطلب جزاء .
واعلم يا أخي أن الله تعالى لم يأمر بالقرض إلا الأغنياء فهم الذين فازوا بلذة خطاب الله تعالى بقوله لهم : { أقرضوا } . وأما الفقراء ففاتتهم تلك اللذة وذلك الأجر ومن هنا سارع الأكابر من الأولياء إلى التكسب والتجارة والزراعة والحرفة ليفوزوا بلذة ذلك الخطاب لا لعلة أخرى من طلب ثواب أو غيره قال تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } . فوصفوا بالرجولية لأجل أكلهم من كسبهم وإقراضهم من فواضل كسبهم كل محتاج ومفهومه أن من لا كسب له والناس ينفقون عليه فهو من جنس النساء وإن كان له لحية كبيرة وسجادة وعذبة ومرقعة وشفاعات عند الحكام وغير ذلك وليس له في الرجولية نصيب قال تعالى : { الرجال قوامون على النساء } .
واعلم أن طلب التلذذ بخطاب الله تعالى كما ذكرنا محمود بالنسبة لمن هو تحته في المقام وإلا فلله تعالى رجال يتوبون من التلذذ بخطاب الله تعالى إلا على وجه الشكر لا غير فإن من كان الباعث له التلذذ بخطاب الله تعالى فهو عبد لذته لا يكون عبد الله تعالى . وقد أخبرني أخي أفضل الدين C أنه كان يقوم الليل مدة كذا وكذا سنة وهو لا يشعر به أحد قال : فكنت أظن بنفسي الإخلاص في ذلك فسمعت هاتفا يقول : إنما تقوم الليل للذة التي تجدها حال مناجاتك ولولا هي ما قمت للحق بواجب عبوديته قال : فاستغفرت الله تعالى وتجردت من تلك اللذة وعلمت أن تلك اللذة تجرح في إخلاصي فالحمد لله رب العالمين .
فاعلم أنه لا يقدح في شيخ الزاوية أن يكون تاجرا ولا زراعا بل ذلك أكمل له . فإياك يا أخي أن تنكر على فقير الكسب والتجارة والزراعة أو معاملة الناس أواخر عمره وتقول فلان كان من الصالحين أول عمره وقد ختم عمره بمحبة الدنيا وشهواتها بعد أن كان زاهدا فيها وفي أهلها فربما يكون مشهد ذلك الفقير ما قلناه أو غير ذلك من النيات الصالحة فإن زهد الكمل ليس هو بخلو اليدين من الدنيا وإنما هو بخلو القلب ولا يتحقق لهم كمال المقام إلا بزهدهم فيما بأيديهم وتحت تصريفهم من غير حائل يحول بينهم وبين كنزه . وأما زهدهم مع خلو اليد فربما يكون لعلة الفقر . وقد قالوا : من شرط الداعي إلى الله تعالى أن لا يكون متجردا عن الدنيا بالكلية بأن تخلو يده منها وذلك لأنه يحتاج ضرورة إلى سؤال الناس إما بالحال وإما بالمقال وإذا احتاج إلى الناس هان عليهم وقل نفعهم به بخلاف ما إذا كان ذا مال يعطي منه المحتاجين من مريده وغيرهم فإن فقد الحال الذي يميل به قلوب المريدين إليه كان معه المال يميلهم إليه به ومن لا حال له ولا مال لا ينفعه المقال وفي الحديث : عز المؤمن استغناؤه عن الناس وشرفه في قيام الليل . وممن جاهد نفسه بالتجرد عن الدنيا زمانا طويلا ثم مسك الدنيا من أشياخ العصر وتاجر فيها الشيخ عبدالرحيم البيروتي والشيخ علي الكازروني نفعنا الله ببركاتهما فأساء الناس بهما الظن وأخرجوهما عن دائرة الفقراء والحال أنهما الآن أكمل مما كانا عليه في بدايتهما على ما قررناه آنفا . فإياك يا أخي وسوء الظن بأهل الطريق أو بمن لبس الزيق والله يتولى هداك : { وهو يتولى الصالحين } . ومن محك صدق من طلب الدنيا لله تعالى طلبا للفوز بلذة خطابه أن لا يشح بشيء منها على محتاج إليه لأن من أحب شيئا وتلذذ به أحب تكراره ومتى تكدر من كثرة السائلين لما عنده فهو كاذب في دعواه أنه يحب الدنيا للالتذاذ بخطاب الله أو لنفع عباد الله فاعلم ذلك واخرج بقولنا أن لا يشح ما لوشح ومنع لحكمة شرعية فإن ذلك لا يقدح في صدقه . { والله غفور رحيم }
