خرجت من تيماء في أغباش السحر فرأيت عجوزا على أتان فتكلمت فإذا أعرابية فصيحة فقلت ممن أنت فقالت عذرية فأجريت ذكر جميل وبثينة فقالت والله إنا لعلى ماء لنا بالجناب وقد تنكبنا الجادة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشام تريد الحجاز وقد خرج رجالنا لسفر وخلفوا معنا أحداثا فانحدروا ذات عشية إلى صرم قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم فلم يبق غيري وغير بثينة إذ انحدر علينا منحدر من هضبة تلقاءنا فسلم ونحن مستوحشون وجلون فتأملته ورددت السلام فإذا جميل فقلت أجميل قال إي والله وإذا به لا يتماسك جوعا فقمت إلى قعب لنا فيه أقط مطحون وإلى عكة فيها سمن ورب فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت أصب من هذا فأصاب منه وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه وتراجعت نفسه فقلت له لقد بلغت ولقيت شرا فما أمرك قال أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم وأنا عامد إلى مصر فتحدثنا ساعة ثم ودعنا وشخص فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه فزعموا أنه قال حين حضرته الوفاة .
( صَدَعَ النَّعِيُّ وما كنى بجميلِ ... وثَوَى بمِصْرَ ثَوَاءَ غيرِ قُفولِ ) .
( ولقد أجُرّ الذَّيْلَ في وادي القُرَى ... نَشْوانَ بين مزارعٍ ونخيلِ )
