@ 324 @ العاشر : ما قاله ابن زيد : لا خوف عليهم أمامهم ، فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت ، فأمنهم الله منه ، ثم سلاهم عن الدنيا ، ولا هم يحزنون على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا . الحادي عشر : لا خوف حين أطبقت النار ، ولا حزن حين ذبح الموت في صورة كبش على الصراط ، فقيل لأهل الجنة والنار : خلود لا موت . الثاني عشر : لا خوف ولا حزن على الدوام . .
وهذه الأقوال كلها متقاربة ، وظاهر الآية عموم نفي الخوف والحزن عنهم ، لكن يخص بما بعد الدنيا ، لأنه في دار الدنيا قد يلحق المؤمن الخوف والحزن ، فلا يمكن حمل الآية على ظاهرها من العموم لذلك . . .
{ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ } : قسم لقوله : { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } ، وهو أبلغ من قوله : { وَمَن لَّمْ * يَتَّبِعُ * هُدَايَ } ، وإن كان التقسيم اللفظي اللفظي يقتضيه ، لأن نفي الشيء يكون بوجوه ، منها : عدم القابلية بخلقة أو غفلة ، ومنها تعمد ترك الشيء ، فأبرز القسيم بقوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ } في صورة ثبوتية ليكون مزيلاً للاحتمال الذي يقتضيه النفي ، ولما كان الكفر قد يعني كفر النعمة وكفر المعصية بين : أن المراد هنا الشرك بقوله : { وَكَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا } ، وبآياتنا متعلق بقوله : { وَكَذَّبُواْ } ، وهو من إعمال الثاني ، إن قلنا : إن كفروا ، يطلبه من حيث المعنى ، وإن قلنا : لا يطلبه ، فلا يكون من الإعمال ، ويحتمل الوجهين . والآيات هنا : الكتب المنزلة على جميع الأمم ، أو معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو القرآن ، أو دلائل الله في مصنوعاته ، أقوال . و { أُوْلَائِكَ } : مبتدأ ، { وَأَصْحَابُ } : خبر عنه ، والجملة خبر عن قوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ } ، وجوزوا أن يكون أولئك بدلاً وعطف بيان ، فيكون أصحاب النار ، إذ ذاك ، خبراً عن الذين كفروا . وفي قوله : { أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ } دلالة على اختصاص من كفر وكذب بالنار . فيفهم أن من اتبع الهدى هم أصحاب الجنة . وكان التقسيم يقتضي أن من اتبع الهدى لا خوف ولا حزن يلحقه ، وهو صاحب الجنة ، ومن كذب يلحقه الخوف والحزن ، وهو صاحب النار . فكأنه حذف من الجملة الأولى شيء أثبت نظيره في الجملة الثانية ، ومن الثانية شيء أثبت نظيره في الجملة الأولى ، فصار نظير قوله الشاعر : % ( وإني لتعروني لذكرك فترة % .
كما انتفض العصفور بلله القطر .
) % .
وفي قوله : أولئك ، إشارة إلى الذوات المتصفة بالكفر والتكذيب ، وكأن فيها تكريراً وتوكيداً لذكر المبتدأ السابق . والصحبة معناها : الاقتران بالشيء ، والغالب في العرف أن ينطلق على الملازمة ، وإن كان أصلها في اللغة : أن تنطلق على مطلق الاقتران . والمراد بها هنا : الملازمة الدائمة ، ولذلك أكده بقوله : { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالية ، كما جاء في مكان آخر : { أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا } ، فيكون ، إذ ذاك ، لها موضع من الإعراب نصب . ويحتمل أن تكون جملة مفسرة لما أنبهم في قوله : { أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ } ، ففسر وبين أن هذه الصحبة لا يراد بها مطلق الاقتران ، بل الخلود ، فلا يكون لها إذ ذاك موضع من الإعراب . ويحتمل أن يكون خبراً ثانياً للمبتدأ الذي هو : أولئك ، فيكون قد أخبر عنه بخبرين : أحدهما مفرد ، والآخر جملة ، وذلك على مذهب من يرى ذلك ، فيكون في موضع رفع . وقد تقدم الكلام على الخلود ، وهل هو المكث زماناً لا نهاية له ، أو زماناً له نهاية ؟ .
