@ 148 @ .
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصاب من الجهد وشدّة الخوف والبرد وأنواع الأذى ، كما قال تعالى : { وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } قاله قتادة ، والسدي . .
أو في حرب أحد ، قتل فيها جماعة من المسلمين ، وجرت شدائد حتى قال عبد الله بن أبي وأصحابه : إلى متى تقتلون أنفسكم ، وتهلكون أموالكم ؟ لو كان محمد نبياً لما سلط عليكم القتل والأسر ، فقالوا : لا جرم من قتل منا دخل الجنة . فقال : إلى متى تسألون أنفسكم بالباطل ؟ .
أو : في أوّل ما هاجروا إلى المدينة ، دخلوها بلا مال ، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، رضي الله تعالى عنهم ، فأظهرت اليهود العداوة ، وأسرّ قوم النفاق . قاله عطاء . .
قيل : ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه قال : يهدي من يشاء ، والمراد إلى الحق الذي يفضي اتباعه إلى الجنة ، فبين أن ذلك لا يتم إلاَّ باحتمال الشدائد والتكليف ، أو : لما بين أنه هداهم ، بين أنه بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق ، فكذا أنتم ، أصحاب محمد ، لا تستحقون الفضيلة في الدين إلاَّ بتحمل هذه المحن . .
و : أم ، هنا منقطعة مقدرة بل والهمزة فتتضمن إضراباً ، وهو انتقال من كلام إلى كلام ، ويدل على استفهام لكنه استفهام تقرير ، وهي التي عبر عنها أبو محمد بن عطية : بأن أم قد تجيء ابتداء كلام ، وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة ، ألف استفهام . .
فقوله : قد تجيء ابتداء كلام ليس كما ذكر ، لأنها تتقدّر ، ببل والهمزة ، فكما أن : بل ، لا بد أن يتقدّمها كلام حتى يصير في حيز عطف الجمل ، فكذلك ما تضمن معناه . .
وزعم بعض اللغويين أنها تأتي بمنزلة همزة الإستفهام ، ويبتدأ بها ، فهذا يقتضي أن يكون التقدير : أحسبتم ؟ وقال الزجاج : بمعنى بل ، قال : % ( بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى % .
وصورتها ، أم أنت في العين أملح ؟ .
) % .
ورام بعض المفسرين أن يجعلها متصلة ، ويجعل قبلها جملة مقدرة تصير بتقديرها أم متصلة ، فتقدير الآية : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ، فصبروا على استهزاء قومهم بهم ، أفتسلكون سبيلهم ؟ أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ؟ .
فتلخص في أم هنا أربعة أقوال : الانقطاع على انها بمعنى بل والهمزة ، والاتصال : على إضمار جملة قبلها ، والاستفهام بمعنى الهمزة ، والإضراب بمعنى بل ؛ والصحيح هو القول الأوّل . .
ومفعولاً : حسبتم ، سدّت أن مسدّهما على مذهب سيبويه ، وأما أبو الحسن فسدت عنده مسد المفعول الأوّل ، والمفعول الثاني محذوف ، وقد تقدم هذا المعنى في قوله : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبّهِمْ } . .
{ وَلَمَّا * يَأْتِيَكُمُ * مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } الجملة حال ، التقدير : غير آتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، أي : إن دخول الجنة لا بد أن يكون على ابتلاء شدائد ، وصبر على ما ينال من أذى الكفار ، والفقر والمجاهد في سبيل الله ، وليس ذلك على مجرد الإيمان فقط بل ، سبيلكم في ذلك سبيل من تقدمكم من اتباع الرسل . خاطب بذلك الله تعالى عباده المؤمنين ، ملتفعاً إليهم على سبيل التشجيع والثبيت لهم ، وإعلام لهم أنه لا يضركون أعدائكم لا يوافقون ، فقد اختلفت الأمم على أنبيائها ، وصبروا ، حتى آتاهم النصر . .
و : لما ، أبلغ في النفي من : لم ، لأنها تدل على نفي الفعل متصلاً بزمان الحال ، فهي لنفي التوقع . .
والمثل : الشبه ، إلاَّ أنه مستعار لحال غريبة ، أو قضية عجيبة لها شأن ، وهو على حذف مضاف ، التقدير : مثل محنة الذين خلوا من قبلكم وعلى حذف موصوف تقديره : المؤمنين . .
والذين خلوا من قبلكم ، متعلق بخلوا ، وهو كأنه توكيد ، لأن الذين خلوا يقتضي التقدم . .
{ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء } هذه الجملة تفسير للمثل وتبيين له ، فليس لها موضع من الإعراب ، وكأن قائلاً قال : ما ذلك المثل ؟ فقيل : مستهم البأساء والضراء .