@ 378 @ محصوراً فيما نقله البصريون فقط ، والقراءات لا تجيء على ما علمه البصريون ونقلوه ، بل القراء من الكوفيين يكادون يكونون مثل قراء البصرة ، وقد اتفق على نقل إدغام الراء في اللام كبير البصريين ورأسهم : أبو عمرو بن العلاء ، ويعقوب الحضرمي . وكبراء أهل الكوفة : الرواسي ، والكسائي ، والفراء ، وأجازوه ورووه عن العرب ، فوجب قبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم ، إذ من علم حجة على من لم يعلم . .
وأما قول الزمخشري : إن راوي ذلك عن أبي عمرو مخطىء مرتين ، فقد تبين أن ذلك صواب ، والذي روي ذلك عنه الرواة ، ومنهم : أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحو إمام في القراآت في اللغات . .
قال النقاش : يغفر لمن ينزع عنه ، ويعذب من يشاء إن أقام عليه . .
وقال الثوري : يغفر لمن يشاء العظيم ، ويعذب من يشاء على الصغير . .
وقد تعلق قوم بهذه الآية في جواز تكليف ما لا يطاق ، وقالوا : كلفوا أمر الخواطر ، وذلك مما لا يطاق . .
قال ابن عطية : وهذا غير بين ، وإنما كان من الخواطر تأويلاً تأوله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يثبت تكليفاً . .
{ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } . لما ذكر المغفرة والتعذيب لمن يشاء ، عقب ذلك بذكر القدرة ، إذ ما ذكر جزء من متعلقات القدرة . .
{ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ } سبب نزولها أنه لما نزل : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } الآية أشفقوا منها ، ثم تقرر الأمر على أن { قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } فرجعوا إلى التضرع والاستكانة ، فمدحهم الله وأثنى عليهم ، وقدّم ذلك بين يدي رفقه بهم ، وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم ، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر ، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى ، كما جرى لبني اسرائيل ضد ذلك من : ذمهم وتحميلهم المشقات من الذلة والمسكنة والجلاء ، إذ { قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله ، أعاذنا الله تعالى من نقمه . انتهى هذا ، وهو كلام ابن عطية . .
وظهر بسبب النزول مناسبة هذه الآية لما قبلها ، ولما كان مفتتح هذه السورة بذكر الكتاب المنزل ، وأنه هدى للمتقين الموصوفين بما وصفوا به من الإيمان بالغيب ، وبما أنزل إلى الرسول وإلى من قبله ، كان مختتمها أيضاً موافقاً لمفتتحها . .
وقد تتبعت أوائل السور المطولة فوجدتها يناسبها أواخرها ، بحيث لا يكاد ينخرم منها شيء ، وسأبين ذلك إن شاء الله في آخر كل سورة سورة ، وذلك من أبدع الفصاحة ، حيث يتلاقى آخر الكلام المفرط في الطول بأوله ، وهي عادة للعرب في كثير من نظمهم ، يكون أحدهم آخذاً في شيء ، ثم يستطرد منه إلى شيء آخر ، ثم إلى آخر ، هكذا طويلاً ، ثم يعود إلى ما كان آخذاً فيه أولاً . ومن أمعن النظر في ذلك سهل عليه مناسبة ما يظهر ببادىء النظم أنه لا مناسبة له ، فبين تعالى في آخر هذه السورة أن أولئك المؤمنين هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ) . .
قال المروزي : { الرَّسُولُ بِمَا } قال الحسن ، ومجاهد ، وابن سيرين ، وابن عباس في رواية : أن هاتين الآيتين لم ينزل بهما جبريل ، وسمعهما صلى الله عليه وسلم ) ليلة المعراج بلا واسطة ، والبقرة مدنية إلاَّ هاتين الآيتين . .
وقال ابن عباس في رواية أخرى ، وابن جبير ، والضحاك ، وعطاء : إن جبريل نزل عليه بهما بالمدينة ، وهي ردّ على من يقول : إن شاء الله في إيمانه ، لأن الله تعالى شهد بإيمان المؤمنين ، فالشك فيه شك في علم الله تعالى . انتهى كلامه . .
والألف واللام في : الرسول ، هي للعهد ، وهو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ) ، وقد كثر في القرآن تسميته من الله بهذا الاسم الشريف ، وما أنزل إليه من ربه شامل لجميع ما أنزل إليه من الله تعالى : من العقائد ، وأنواع الشرائع ، وأقسام الأحكام في القرآن ، وفي غيره . آمن بأن ذلك وحي من الله وصل إليه ، وقدّم الرسول لأن إيمانه هو المتقدّم وإيمان المؤمنين متأخر عن إيمانه ، إذ هو المتبوع وهم التابعون في ذلك . .
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، لما نزلت عليه ، قال : ( يحق له أن يؤمن ) . .
والظاهر أن يكون قوله : والمؤمنون ، معطوفاً على قوله : الرسول ، ويؤيده قراءة علي ، وعبد الله : وآمن المؤمنون ، فأظهر الفعل الذي أضمره غيره من القراء ، فعلى هذا يكون : كل ، لشمول الرسول والمؤمنين ، وجوزوا أن يكون الوقف تم عند قوله : من ربه ، ويكون : المؤمنون ، مبتدأ ، و : كل