[ 200 ] رغم أنّ مفردة (التعصّب) ترد غالباً في المعنى المذموم والسلبي. وبشكل عام فإنّ الإنسان إذا ارتبط بالاُمور غير المنطقية وتحرّك في سلوكه من موقع قبولها والدفاع عنها فهو من التعصّب المذموم، وهذا هو ما ورد في القرآن الكريم بعنوان (العصبية الجاهلية) ولكن إذا خضعت علاقة الإنسان مع هذه الاُمور للمنطق والعقل وكانت النتائج المترتبة عليها مفيدة وبنّاءة وتعصّب لها الإنسان فهو من التعصّب الممدوح والإيجابي. ونقرأ في نهج البلاغة في الخطبة (القاصعة) لأميرالمؤمنين (عليه السلام) إشارة إلى هذا المعنى حيث يقول : "فَاَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ، وَاَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَاِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ وَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ"(1). فنجد في هذه الخطبة انها تقوم على أساس من ذمّ الكِبر والغرور والتعصّب واللجاجة، ويقول الإمام في مكان آخر أيضاً : "فَاِنْ كَانَ لاَبُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الاَْفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الاُْمُورِ الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ وَالنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ... فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ الْحَمْدِ، مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَالْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَ الْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالاَْخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ"(2). فعليه فالإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) يشير في هذه الخطبة إلى (التعصّب) بكلا قسميه، وعندما سُأل الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن معنى العصبية ذكر كلا القسمين أيضاً وقال : "الْعَصَبِيّةُ الَّتِي يَأْثِمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا اَنْ يَرىَ الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْم آخِرِين ! وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ اَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قُوْمَهُ وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيّةِ أنْ يُعِينَ قُوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ"(3). وطبقاً لهذا الحديث فإنّ العصبية الّتي يعيشها أفراد القوم أو القبيلة مادامت تسير في خطّ الخير والصلاح فهي إيجابية وممدوحة، لأن هذه العصبية والارتباط الشديد لا يدفع 1. نهج البلاغة، الخطبة 192 من الفقرة 22 إلى 23. 2. نهج البلاغة، الخطبة 192، الفقرة 76 إلى 79. 3. اُصول الكافي، ج 2، ص 308، باب العصبيّة، ح 7.