[ 94 ] فهؤلاء يجهلون حتّى الحياة الدنيا أيضاً وبدلاً من أن يجعلونها مزرعة الآخرة وقنطرة للوصول إلى الحياة الخالدة ونيل المقامات المعنوية وميداناً لممارسة السلوكيات الّتي تصعد بهم في سُلّم الفضائل الأخلاقية ومدارج الإنسانية، يتخذون الدنيا بعنوان انها الهدف النهائي والمطلوب الحقيقي والمعبود الواقعي لهم، ومن الطبيعي أنّ مثل هؤلاء الأشخاص يعيشون الغفلة عن الحياة الاُخرى. ويقول القرآن الكريم في آية اُخرى : (اَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاْخِرَةِ)(1) ثمّ تضيف الآية (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ اِلاّ قَلِيلٌ)(2) أجل فإنّ الأشخاص الّذين يعيشون ضيق الاُفق ومحدودية الفكر فانهم يرون الدنيا كبيرة وواسعة وخالدة وينسون الحياة الاُخرى الأبدية الّتي قرّرها الله تعالى لحياة الإنسان الكريمة والمليئة بالمواهب الإلهية والنعيم الخالد. -- 4 ـ ونقرأ في قسم آخر من الآيات الكريمة أنّ الدنيا هي (عرض) على وزن (غرض) بمعنى الموجود المتزلزل والّذي يعيش الاهتزاز والتغير والتبدل في جميع جوانبه وحالاته، ومن ذلك قوله تعالى (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)(3). وتقول الآيات في مكان آخر مخاطبة لأصحاب النبي الأكرم (...يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ...)(4). وفي آيات اُخرى نجد هذا التعبير أيضاً حيث يدلّ على أنّ جماعة من المسلمين أو غير المسلمين وبدافع من الحرص والطمع تركوا الاهتمام بالمواهب الإلهية الخالدة والحياة الاُخرى والقيم الإنسانية العالية واشتغلوا في جمع زخارف الدنيا الزائله واشباع الملذات 1. سورة التوبة، الآية 38. 2. سورة النساء، الآية 94. 3. سورة النساء، الآية 94. 4. سورة الأنفال، الآية 67.
