(57) قلنا: الطريقة في الاَمرين واحدة، لاَنّا نعلم أنّ من نجوّز عليه الكفر والكبائر في حال من الاَحوال وإن تاب منهما وخرج من استحقاق العقاب به لا نسكن إلى قبول قوله مثل سكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الاَحوال ولا على وجه من الوجوه، ولهذا لا يكون حال الواعظ لنا، الداعي إلى الله تعالى ونحن نعرفه مقارناً للكبائر مرتكباً لعظيم الذنوب وان كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا وفي نفوسنا، كحال من لم نعهد منه إلاّ النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور، ولهذا كثيراً ما يعيّر الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وان وقعت التوبة منها ويجعلون ذلك عيباً ونقصاً وقادحاً وموَثراً، وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوة وناقصاً عن رتبته في باب التنفير (ولاَجل ذلك) وجب أن لا يكون فيه شىء من التنفير، لاَنّ الشيئين قد يشتركان في التنفير وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه، ألا ترى أنّ كثرة السخف والمجون والاستمرار عليه والانهماك فيها منفر لا محالة، وإنّ القليل من السخف الذي لا يقع إلاّ في الاَحيان والاَوقات المتباعدة منفر أيضاً، وان فارق الاَوّل في قوة التنفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب عن الاَوّل من أن يكون منفراً في نفسه. فإن قيل: فمن أين قلتم إنّ الصغائر لا تجوز على الأنبياء : في حال النبوة وقبلها؟ قلنا: الطريقة في نفى الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفى الكبائر في الحالتين عند التأمّل، لاَنّا كما نعلم أنّ من يجوز كونه فاعلاً لكبيرة متقدمة قد تاب منها وأقلع عنها ولم يبق معه شيء من استحقاق عقابها وذمها، لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه، فكذلك نعلم انّ من نجوّز عليه الصغائر من الأنبياء : أن يكون مقدماً على القبائح مرتكباً للمعاصي في حال نبوته أو
