( 92 ) نفوسهم حتى بعد إسلامهم رغم ما تلقّوه من التعاليم الاِسلامية و التربية القرآنية، ولذلك كانت تلك النزعة تظهر بين الفينة والاَُخرى و ينشب بسببها النزاع و يكاد يتسع لولا حكمة الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وتدبيره. ويكفي في ذلك ما رواه أهل السير في تفسير قوله سبحانه: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاََذلُّ وَللّه ِالعِزَّةَ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُوَْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) .(1) وقد نشب نزاع في العام السادس من الهجرة في أرض بني المصطلق عند ماء، حيث تنازع رجلان أحدهما من المهاجرين والآخر من الاَنصار على سقي الماء، فاقتتلا، فصرخ الاَنصاري فقال: يا معشر الاَنصار، والآخر قال: يا معشر المهاجرين، فاجتمع من كلٍّرهطٌ بسيوفهم، فلولا حكمة النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لسالت دماء في أرض العدو حيث قدم النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال: "دعوها فانّها دعوى منتنة"(2) يعني أنّها كلمة خبيثة لاَنّها من دعوى الجاهلية، وجعل اللّه الموَمنين إخوة وحزباً واحداً. وكم لهذا الموقف من نظائر في التاريخ، وبإمكانك أن تقرأ دور شاس بن قيس الذي كان شيخاً من اليهود كيف خطّط لاِثارة النعرات الطائفية بين الاَوس والخزرج حتى كادت أن تندلع الفتنة بينهما مرة أُخرى إلاّ أنَّ النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أخمدها بحكمة بالغة، قائلاً: يا معشر المسلمين اللّه اللّه، أبدعوى الجاهلية و انا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه للاِسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بين قلوبكم".(3) ____________ (1)المنافقون: 8. (2)السيرة النبوية:2|290ـ 291. (3)السيرة النبوية:1|555ـ557.
