( 150 ) فقد أطلق الاعتداء على ظاهره ، وأريد به الجزاء والعقوبة في واقعه ، إذ ليس الجزاء اعتداء ، وقد عبر عن المقاصة بالسيئة ، وليس ذلك سيئة ، ولكنه سبب منها ، فأطلقت عليه ، وكذلك معنى الإزاغة ههنا فيما حمله عليه الشريف الرضي ، فاعتبر الزيغ الأول غير الزيغ الثاني ، فالأول زيغ عن الإيمان ، والثاني العقوبة على الميل ، والانحراف عن الهدى الى الضلال ، فهو ليس من جنسه ، وإنما سمي كذلك مجازا ، وهو يعقب على ذلك ، ويدافع عن وجهة نظره فنيا فيقول : " وبعد فإنه سبحانه لم يذكر في هذه الآية أنه ابتدأ بأن أزاغ قلوبهم ، بل قال : ( فلمّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم )(1) . فأخبر تعالى أنه إنما فعل ذلك بهم عقوبة على زيغهم ، وجزاء على فعلهم ، فمنعهم الألطاف والفوائد التي يؤتيها سبحانه من آمن به ، ووقف عند حدّه ، وخلاّهم واختيارهم ، وأخلاهم من زيادة الهدى التي ذكر سبحانه في كتابه فقال : ( والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم * )(2) . فأضاف سبحانه الفعل بالإزاغة الى نفسه ، على اتساع مناهج اللغة في إضافة الفعل الى الأمر ، وإن وقع مخالفا لأمره ، لما كان وقوعه مقابلا لأمره ، ويكشف عن ذلك قوله تعالى : ( إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربّنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتّخذتموهم سخريّا حتّى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون * )(3) . وهؤلاء الفريق عباد الله لم ينسوا الفريق الآخر ذكر الله ، وكيف يكون وهم يحادثون أسماعهم وقلوبهم بذكره سبحانه وعظا وتخويفا ، وتنبيها وتحذيرا ، ولكنهم لما اتخذوهم سخريا ، وأقاموا على سيّيء أفعالهم وذميم اختيارهم ، أنسوهم ذكر الله ، فأضيف الإنساء الى ذلك الفريق من عباد الله ، إذ كان نسيان من نسي ذكر الله سبحانه إنما وقع في مقابلة تذكيرهم به ، وتخويفهم منه ، ودعائهم إليه ، فحسنت الإضافة على الأصل الذي قدمناه . وأقول : إنه قد جاء الاتساع في اللغة بالزيادة على هذه المرتبة التي ____________ (1) الصف : 5 . (2) محمد : 17 . (3) المؤمنون : 109 ـ 110 .
