( 159 ) فالجهل الأول جار على وجهه الحقيقي ، والجهل الثاني محمول على الوجه المجازي ، لأنه ناجم عن الجهل الأول ، فعبر بالجهل مجازا عن مقابلة الجهل وصدّه ، وليس صدّ الجهل جهلا بل هو مكافأة له . وكذلك الحال فيما حمل عليه قوله تعالى : ( ومكروا ومكر الله )(1) من الاستعمال المجازي ، إذا أريد به العقوبة ، لأن المكر سببها ، وقيل : " ويحتمل أن يكون مكر الله حقيقة ، لأن المكر هو التدبير فيما يضر الخصم ، وهذا محقق من الله تعالى ، باستدارجه إياهم بنعمه مع ما أعدّ لهم من نقمة "(2) . 4 ـ وفي كل من قوله تعالى : أ ـ ( وينزل لكم من السّماء رزقا )(3) ب ـ ( إنّ الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا )(4) ج ـ ( وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون * )(5) نرصد مجازا لغويا مرسلا ، أريد به عكس ما أريد في النوع السابق في علاقته ، وهو المعني بقولهم : تسمية السبب باسم المسبب ، وذلك بأن يطلق لفظ المسبب ويراد به السبب بالذات . ففي الآية (أ) أطلق لفظ الرزق على الغيث أو المطر تجوزا ، لأن الرزق لا ينزل من السماء بهيئته وكيفيته المركزية المتبادرة الى الذهن ، وإنما ينزل الله المطر ، ولما كان المطر سببا في الرزق عبر عنه سبحانه بالرزق باعتبار السببية . وفي الآية (ب) عبر سبحانه عن أكل المال الحرام بأكل النار ، ____________ (1) آل عمران : 54 . (2) القزويني ، الإيضاح : 400 تحقيق الخفاجي . (3) غافر : 13 . (4) النساء : 10 . (5) الأعراف : 4 .
