( 96 ) قوة ، وذي الحول بمن لا حول له ، وكإحاطة ذي الشأن بمن لا يدانيه سيطرة وإعدادا ، إذ لا يمكن أن تفسر هذه الإحاطة بالمكان ، وإن استوعبت حدود كل مكان ، لأن الله تعالى فوق حدود المكان ، وإذا كان الأمر كذلك ، ويبدوا أنه كذلك ، فلا بد من رصد هذه الظاهرة بهذا المدرك الاتساعي في التجوز باللفظ ذاته ، وحمله على المعنى الذي أشار اليه الزمخشري ( ت : 538 هـ ) في قوله : " والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به حقيقة "(1) . إن الذائقة الفنية في مثل هذه الظواهر تمثل لنا عمق الخصائص الأسلوبية في مجاز القرآن ، إذ تجدد القدرة الخارقة في كل نموذج آنف على استيحاء التلازم الذهني بين الأصل الحقيقي والفرع الاستعمالي لمناسبة ما في تنقله من معنى أولي الى معنى ثانوي ، وهو يهز المشاعر حينا ، ويصون التراث حينا آخر ، ويحدث ذلك عادة في وقت واحد وبتفكير جملي متحد . وهذا من خصائص الأسلوب المجازي في القرآن . 3 ـ الخصائص النفسية في مجاز القرآن ليس أمرا سهلا ، أن يساير النص الأدبي النفس الإنسانية ، وليس هينا أن تتطلب النفس أيضا نصا أدبيا ، فالنفس جموح لا تهدأ ، وغروف لا تكبح ، وشرود لا يسيطر عليها نص اعتيادي ، أو فن قولي ، دون أن تتمثل به أرقى مميزات الانجذاب التلقائي ، والبعد النفساني المتوازن ، فتقبل عليه النفس اشتياقا أو إيناسا ، وتعزب عن سواه نفورا أو إيحاشا . النص وجودته وحدهما يهيئان المناخ المناسب في النفس الإنسانية إقبالا على النص أو عزوفا عنه . ومن ثم فالمجاز القرآني وهو ينقل اللفظ من صورة الى صورة أخرى على النحو الذي يريده المصور ، فإن أراد منهها في صيغتها الحقيقية . فأنت تستطيع في المجاز تكييف النص الأدبي نحو المعنى المراد ، دون توقف لغوي أو معارضة من دلالة اللفظ ____________ (1) الزمخشري ، الكشاف 1 : 85 .
