[142] حينما يتطرق بعض ارباب اللغة إلى مفهوم (النوم) يقولون إنَّ له مفهوماً معروفاً. (1)إلاّ إنَّ الراغبَ يقول في كتاب المفردات:النوم: فُسر على أوجه كلها صحيح بنظرات مختلفة، قيل هو استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد اليه، وقيل هو ان يتوفى الله النفس من غير موت، قال: (الله يَتَوفى الانفُس) الآية، وقيل النوم موت خفيف والموت نوم ثقيل. (2) و(النُّعاس) "على وزن غُبار" ويعني النوم القليل والخفيف، وفسَّره بعض على انه بداية النوم، وهنا حيثُ يكون النومُ خفيفاً في بدايته فانَّ كلا المعنيين يعودان إلى حقيقة واحدة. و (السبات) مأخوذة من مادة "سَبْت" (على وزن ثَبْت) أي "القطع"، ولهذا سُمِّيَ يومُ السبت بهذا الاسم في لغة العرب، حيث كان يوماً لتعطيل الاعمال من اجل الراحةِ، ومما يظهر انَّ هذه التسمية مستوحاةٌ من افكار اليهود حيث يعتبرون يوم السبت عطلةً لهم. وهذا ما يعتقد به اليهود، إذ يقولون إنَّ الله تعالى بدأ خلقَ العالم يوم الأحد وانتهى بعد ستة أيام فكان يوم السبت نهايةً لخلق البشر وللراحة اَلاّ اننا نعلمُ انَّ هذا من الاخطاء الفاضحة لليهود، لانَّه في الوقت الذي لم تكن هناك سماءٌ ولا ارضٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ لم يكن هناك وجود لليوم والاسبوع أيضاً وحينما يقول القرآن الكريم: (خَلَقَ السَّماءَ والارضَ في ستةِ ايام) فالمقصود "ست مراحل". وكلمة (السبت) جاءت بمعنى الراحةِ أيضاً(3). * * * جمع الآيات وتفسيرها: * * * وفي الآية الثانية بعد أن يُصرِّحَ (هُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً) يشيرُ إلى مسألة النوم حيث يقول تعالى (وَالنَّوْمَ سُباتاً). ومن الممكن ان يكون تعبير (هو الذي) اشارة إلى الجانب التوحيدي لهذه الامور، فكلٌ منها دليلٌ على الذات المقدسة، أو جانبِ الاَنعامِ كي يعرفَ الإنسان وليَّ نعمتِهِ، ومن المسلَّم به ان معرفة وليَّ النعمة ستكون مقدمةً لمعرفته أيضاً. واللطيف اَنّه يقول بعد ذلك: (وَجَعَلَ النَّهارَ نَشُوراً)(1). أجَلْ. . ففي وضح النهار تنتشر الروحُ ويستيقظ الإنسان بشكل كامل، إذ لا يخلو من شَبَه بنشورِ يوم القيامة والحياة ما بعد الموت. وهذا الاحتمالُ ممكن أيضاً، حيث يشير إلى انتشار الناس في ميدان الحياة * * * وضيحات: يتوصلوا إلى عمق هاتين الظاهرتين المهمتين بالرغم مما بذلوه من مساع وجهود. فايُّ فِعْل وانفعالات تطرأُ على الإنسان ليتوقف فجأة القسم الاعظم من نشاطاته الجسمية والروحية؟! ويحصلُ هذا التغيير في جميع اجزاء جسمه وروحهِ كذلك، فلا يفهمُ شيئاً ولا يبدي أىَّ حركة ويستلقي جانباً كالميت، ولو غرقت الدنيا بأكملها فهو نائمٌ لا يدري. ومع كل هذه التوضيحات والآراء والفرضيات التي قيلت في هذا المجال، فقد حافظ النوم على صورته المدهشة!والاكثر عجباً من ذلك مسألةُ (الرؤيا) التي تُعَدُّ من الالغاز العظيمة كروح الإنسان. وطبعاً ان الحديث المفصَّلَ بصدد حقيقة واسرار هاتين الظاهرتين خارجٌ عن موضوع بحثنا، لأنَّ الغايةَ من بحث الآيات المذكورة هي بيان المنافع الكثيرة، والفوائد التي لا تُحصى للنوم من جانب ومن جانب آخر كونه نعمة من نعم الله. فالنوم المعتدل دائماً يعتبر دليلا على سلامةِ روح واعصاب الإنسان، لذلك فان اهمُ اسئلةِ الاطباء لمرضى النفس تدور حول كيفية نومهم. فلا تتوقف الاجهزة الاساسية في جسم الإنسان كالقلب والرئة اثناء النوم، لكنها تعملُ بهدوء أكثر، ويصبحُ دوران الدَّم في الاعضاء أكثر تناسقاً، ويتوقفُ نشاطُ الدَّماغ تقريباً، وتستقر جميعُ العضلات أيضاً، فتؤدي كلُّ هذه الامور إلى حصول هذه الاعضاء على فرصة لِتجديد بناء ذاتها. وخلالَ النومِ تُزالُ سمومُ الجسم، وتُعالجُ كثير من الامراض. لقد اورد "روخلين" في كتابه (الرؤيا في نظر بافلوف) بحثاً تحت عنوان (العلاج بالنوم العميق) قائلا:"بناءً على فرضية "بافلوف" فانَّ النومَ عبارةٌ عن ظاهرةِ توقُف من اجل الصيانة وتجديد القوى، وعليه فيمكن استغلالهُ كعامل للعلاج من الامراض المختلفة، وتؤيدُ التجاربُ اليومية دور النوم في ذلك أيضاً" [147] ــــــــــــــــــــــــــــ. (1) النوم في نظر بافلوف ص 112 ـ 116 (مع الاختصار).