[178] * * * والحديث في الآية الرابعة والخامسةِ عن تسخير الشمس والقمر للإنسان: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ). بَيْدَ أنَّهُ عبَّر في آية بـ (دائبَيْن) أي (الحركة وفقاً لسُنَّة ثابتة)(1) وفي الأُخرى ورد تعبير (كُلٌ يَجْري لأَجَل مُسمّىً) أَيْ "انَّ كُلا منهما يستمر في حركته إلى حد مُعيَّن". وهذه الجملةُ تشيرُ إلى انَّ حركةَ الشمس والقمر ستنتهي على المدى البعيد، ويتغير نظام المنظومة الشمسية بعد ملايين السنين، وهذا بحد ذاته أحد المعجزات العلمية للقرآن الكريم. وفي الحقيقةِ ان المقصود بحركة الشمس هو دوران الارض حول الشمس طبعاً، لأن ما يظهر للعيان ان الشمس هي التي تتحرك، حيث انَّ الارض في الواقع هي التي تُوجدُ هذا الشعور لدى الإنسان، إذ ان الشَّمسَ تتحرك باستمرار مع المنظومةِ الشمسية داخل المجرّات، وسيُشار اليه فيما بعد. والمقصود بتسخير الشمس والقمر وبقية الكائنات التي يعتبرُها القرآن الكريم مسخَّرَةً للإنسان، هو إنّها تتحرك في مجال مصالح الإنسان وخدمته، فكما قُلنا سابقاً اَنَّ لضوءِ الشمس والقمر دوراً مهماً في حياة الإنسان وكافة الكائنات الحيّة، لا سيما ضياء الشمس إذ تستحيلُ الحياةُ على سطح الارض بدونه لحظةً واحدةً، وحتى في الليالي المُظلمة فاننا نستفيدُ من الحرارة المتبقية عن ضوة الشمس في الارض والجو ولولاها لانجمدت الكائنات الحيَّةُ بأسرها، اضافةِ إلى الفوائد الأُخرى كالمدِّ والجَزرِ في المحيطات، فهو مصدرٌ للكثير من الخدمات، وسنشير إلى ذلك في بحث آياته في البحار ـ ان شاء الله ـ، وكذلك وضع تقويم طبيعيٌ وخدمات أُخرى. وبلا شك فان ما نعرفه اليوم من بركاتِ الشمس والقمر أكثر مما كان يعرفه السالفون والمخاطَبون بهذه الآيات عند نزولها، ولهذا فانَّ دروس التوحيد التي نقرؤها على صفحاتها أكثر مما كان يقرؤه السابقون، لهذا يقول في نهاية هذه الآية: ان ربَّكُم هو الذي سخَّر لكم كلَّ هذه الموجودات، اما الذين تدعونَ من دونه فهم لا يملكون الحكمَ والمُلكَ في هذا العالم قدَرِ قشرةِ نواة التمر (والّذينَ تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِهِ مـا يَمْلِكُوْنَ مِنْ قِطْمِيْر)(1). * * * وفي الآية الخامسة يُعبِّرُ بصراحة عن خلقِ الليل والنهار والشمس والقمر بأنَّها من آياته، اَلا أنَّهُ يأمُرُ في نفس الوقت بضرورة عدم الاعتقاد بانَّ هذه هي الإله كما يتصور عبدة الشمس والقمر. . كلا. . (لا تَسْجُدُوْا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلّهِ الّذي خَلَقَهُنَّ اَنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُوْنَ). فأيُّ دقة يتكلمُ بها القرآن الكريم؟ إذ من الممكن ان يتركَ عَدُّ البركات المختلفةِ للشمس والقمر والليل والنهار وبقية الموجودات في هذا العالم هذا الأثَر على العقول القاصرة، وَهُوَ إننا مدينونَ إلى هذه الموجودات بنعمها، إذن يجب ان نَسْجُدَ لها ونتوسلَ اليها، كما ابتُليَ بذلك الوثنيون على مرِّ التاريخ. * * * ويتحدث في الآيتين السادسةِ والسابعةِ عن حركة الشمس والقمر ومنازلهما، ويصرَّحُ في نهاية هاتين الآيتين بأن كلا من هذين الجُرمين يسبح في فلكهِ ومداره وخطه (وَكُلٌّ في فَلَك يَسْبَحُوْنَ)(1)، وهذه التعابير من عجائب القرآن من ناحية، ومن عجائب عالم الخلقِ وعلمِ وقدرةِ البارى تعالى من ناحية أُخرى. وتوجد هنا عدةُ تفاسير لما تَعنيه جملة (والشَّمْسُ تَجْري) ومفهوم (لِمُسْتَقر لَها). اولها: اَنّ المقصود هي حركات الشمس المحورية، حيث تنحرف نحو الجزء الشمالي للكرة الارضية مع بداية فَصل الربيع، وتستمر هذه الحركة حتى بداية فصل الصيف حيث تستقر (في النصف الشمالي للكرة الارضية) محاذية لمدار السرطان (23ْ شمالا) وهو ما يصطلح عليه بالميل الاعظم الشمالي، ثم تبدأ حركتها نحو الجنوب وتصل إلى محاذاة خط الاستواء أوائل فصل الخريف، ثم تنحرف نحو جنوب الكرة الارضية، وتستمر هذه الحركة حتى بداية فصل الشتاء حيث تصل إلى محاذاة مدار رأس الجدي (23ْ جنوباً) ويعبّرون عن هذا الانحراف بالميل الاعظم الجنوبي، ثم تبدأ حركتها نحو الشمال وتكون بمحاذاة خط الاستواء في فصل الربيع. بناءً على ذلك فانَّ المقصود من جريان الشمس هو هذا الانحراف نحو الشمال والجنوب، والمقصود من المستقر هو آخر نقطة للانحراف الجنوبي والشمالي أي (مدار رأس السرطان ومدار رأس الجدي). والمعروف (طبعاً) اَنّ هذه الحركةَ ناتجةٌ عن دوران الارض حول الشمس ومع الاخذ بنظر الاعتبار انحراف محور الارض بمقدار23ْ، ولكن ما يبدو لنا هو انَّ الشمس لها مثل هذه الحركة. . الثالث: المقصود هو حركة الشمس في ابراج السماء على مدى اشهر السنة، والتي تقابل في كل شهر أحد هذه الصور الفلكية الاثنا عشر ومن هنا تظهر السنة باثنتي عشر شهراً هذه الابراج(1)، وعليه فانَّ المقصود من المستقر هو نهاية هذه الدورة. . الخامس والسادس: ــــــــــــــــــــــــــــ. (1) المقصود من "البرج" هنا مجموعة النجوم المتجمّعة والتي تكوِّنُ شكلا خاصاً، والابراج الاثنا عشر كما يلي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والاسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.