[236] * * * وتمّت الاشارة في الآية العاشرة إلى نكتة جديدة أُخرى، فيقول: (وأَنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ مـاءً ثُجّاجاً). و (مُعْصِرات)جمعُ "مُعْصُِر" من مادة "عَصْر" وتعني الضغط، والمُعصرات تعني الضاغطات، وهنا ما هو المقصود بهذا التعبير؟ لقد ذكروا تفاسير متعددة: فالبغض اتخذها صفةً للغيوم، إذ اعتبرها اشارة إلى نظام خاص يتحكم بها عندما تتراكم على بعضها، فكأنما تعصُر نفسها كي تجري الامطار منها، واعتبر هذا التعبير من المعاجز العلمية للقرآن الكريم(1). إلاّ انَّ البعض الآخر اتخذها صفةً للرياح، واعتبرها اشارة إلى العواصف والزوابع الترابية، حيث لها تأثيرٌ عميق في تكوين الامطار والرعد والبرق (علماً ان "الاعصار" يعني الزوابع الترابية). فيقول هؤلاء. . اثناء هبوب الزوابع الترابية الشديدة على سطح البحار والمحيطات فانها تحمل معها البخار من على سطح المحيط، وحينما تصل به إلى نقاط الجو العليا الباردة جداً، وحيث تكون قدرة اشباع البخار هناك ضعيفة، يحصل الرعد والبرق الشديد، وبما انَّ "ثجّاج" صيغة للمبالغة، وهي من مادة "ثجّ" (على وزن حج) وتعني سكب الماء تتابعاً وبكثرة فهي تتناسب كثيراً مع مثل هذا الرعد والبرق(1). واعتبرها البعض اشارة إلى الغيوم التي تتزامن مع الزوابع الرملية والعواصف(2)، فهذه العواصف تسوق الغيوم نحو الاعلى، وتأخذها نحو مناطق * * * وفي الآية الحادية عشرة، وبعد بيان ما جاء في الآيات السابقة (وَهُوَ الذي يُرسلُ الرِّيـاح بُشراً بَيْنَ يَدَي رَحْمَتِه)، يَرِدُ ما يلي (وأنْزَلنـا مِنَ السَّماءِ مـاءً طَهُوْراً). وهذا موضوع جديد حيث يستند اليه في هذه الآية. و (الطّهور) صيغة مبالغة من "الطهارة" والنقاوة حيث تفيد طهارةَ الماء وكذلك كونه مطهّراً، ولو لم تكن للماء صفة التطهير لتلوثت كلُّ مقومات حياتنا واجسامنا وارواحنا خلال يوم واحد، ويمكن ان نلمسَ حقيقة هذا الكلام إذا ما ابتُلينا تارة بفقدان ماء للتنظيف، حينها يصعبُ توفير الغذاء، وسنفقد نظافة الجسم والنشاط والطراوة والصحة والسلامة. صحيحٌ انَّ الماء لا يقتل الجراثيم ولكن لكونه (مُحَلَّلا) جيداً فهو يقوم بتحليل انواع الجراثيم ويزيلها، ولهذا فهو عاملٌ مؤثرٌ من * * * ثم نواجه في الآية الثانية عشرة والاخيرة مسألةً جديدةً وهي انَّ الله تعالى يسوق المياه إلى الارض "الجُرُز" أي الجافة اليابسة الخالية من الكلأ، فيقول: (أوَلَمْ يَرَوْا اَنّا نَسُوْقُ المـاءَ إلى الأرضِ الجُرُز)؟! (فَنُخرِجُ بِه زَرَعاً تَأكُلُ مِنْهُ أنْعـامُهُمْ وأَنْفُسُهُمْ)، فيَأكلون الحبوب وتأكل بهائمهُمَ السوق والاوراد والجذور. ويستفاد من كلام ارباب اللغة ان (الجُرُز) ماخوذة في الاصل من مادة (جَرَز) (على وزن مَرَضْ) وتعني (الانقطاع) أي انقطاع الماء، والنبات، والاعمار والطراوة، ولذا يقال للناقة التي تأكل وتقطع كل شيء بـ "ناقة جروز"، ولمن يأكل كل ما موجود على خوان الطعام ويفرغها تماماً بـ "رجل جروز"(1). ويقول في نهاية الآية داعياً إلى التفحص في هذه النِعَم الإلهية العظيمة وآيات التوحيد: (أَفَلا يُبْصِرُوْن). ولكن لماذا تقدمت (الانعام) على الإنسان في الآية اعلاه؟ يقول بعض المفسِّرين: لأنَّ الزرعَ اول ما ينبت يصلح للدواب ولا يصلح للإنسان بالاضافة إلى انَّ الزرعَ غذاء الدَّواب وهو لابدَّ منه، في حين ان للإنسان اغذية أُخرى(2). النتيجة: ــــــــــــــــــــــــــــ. (1) (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) و "مصباح اللغة". (2) تفسير الفخر الرازي ج 25 ص 187.