[292] الطيرُ يُسبّحُ وأنا صامت! يقول في الآية الاولى مؤكداً على ان تحليق الطيور في جو السَّماءِ خلافاً للجاذبية هو آيةٌ من آيات الله (أَلمْ يَرَوْا إلى الطَّيرِ مُسَخَّرات في جَوِّ السَّماء)(1). * * * والآية الثانية تتشابه مع الاولى من عدة وجوه، إلا انَّه يُلاحظُ فيما بينهما اختلافاتٌ أيضاً، ففي هذه الآية يدعو الناس (لا سيما المشركين) إلى تفحّص اوضاع الطيور، هذه الموجودات التي تنطلق من الارض خلافاً لقانون الجاذبية، وتتحرك مسرعة بكل يُسر في جو السّماء لساعات واحياناً لاسابيع، وحتى احياناً لعدة شهور بدون توقف، حركةً رقيقةً وسريعةً، بنحو يبرهنُ على انها لا تواجه مشكلةً في عملها. فيقول: (أَوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صـافّات ويَقْبِضْنَ)(1). فلا أحد سوى الرحمن الذي عمَّت رحمتُه كلَّ شيء، يستطيع أن يُمسكُهُنَّ هناك: (مـا يُمْسِكُهُنَّ إلاّ الرّحْمـن). أجل. . اللهُ الذي منَحها كلَّ ادوات الطيران، وعلَّمها طريقته واسلوبه، كما وضعَ قوانين وانظمةً تستفيدها فتحلّق بيسر وسهولة. فهو العليم بحاجات كل الموجودات والبصير بكلِّ شيء (إنّه بِكُلِّ شَيء بَصِيْرٌ). وابتداءً من الذرات حتى المنظومة الشمسية، والمنظومات الأُخرى الجبارة، ومن النباتات والحيوانات المجهرية، حتى الموجودات العملاقة، الكل والكل يستمر في وجوده بتدبيره جلَّ وعلا، التدبير الذي يُطلعنا في كلِّ مرحلة منه على آية جديدة من علمه وقدرته تبارك وتعالى، وينفي كل اشكال الاحتمال بوجود الصدفةِ وقدرتها على الخلق، ويملأ القلب بحبّه والايمان به. ويُمكن ان يكون التعبير بـ (صافات) و (يَقْبِضْنَ) اشارة إلى وضع الطير، حيث يبسطنَ أجنحتهنَّ تارةً، ويجمعنَها أُخرى، ويقدرنَ على الطيران من خلال هذين الفعلين، ويرِدُ هذا الاحتمال أيضاً بأنْ يكون اشارة إلى صنفين من الطيور: الطيور التي غالباً ما تكون اجنحتها مبسوطة، وتركبُ امواجَ الهواء، وفي نفس الوقت تسيرُ في كلِّ اتجاه بسرعة، فكأنما هناك قدرةٌ خفيَّةٌ تُحركُها لا نراها باعيننا، والطيور التي تخفق اجنحتها باستمرار اثناء طيرانها، ولبعضِ الطيور حالةٌ وسطٌ بين هاتين الحالتين اثناء الطيران(1). * * * وفي الآية الثالثة نواجه صياغة جديدة بصدد الآيات التوحيدية لحياة الطيور إذ يخاطبُ النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قائلا (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ في السمَّواتِ والأرْض)(والطَّيْرُ صافّات). الطيور التي تتحرك في الجو صفوفاً، بجلال وعظمة وجمال ولا تتعبُ العين من مشاهدتها ابداً، فهي ترسمُ اشكالا هندسيةً مختلفة على صفحة السماء بحيث تذهلُ الإنسان، إذ قد تطير المئات بل الآلاف من الطيور وتغيُّر طريقها باستمرار من خلالِ أمر خفيٍّ من دون أن يحدث اصطدامٌ فيما بينها. ويضيف في سياق الآية (كلٌ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيْحَهُ)(2). نعم. . فلكلٍّ منها صلاةٌ وسرٌ ودعاءٌ وحاجات في عالمها الخاص، ولكلٍّ تسبيحه وتعظيمه وثناؤه، ومن المعروف انَّ ذرات وجود أيٍّ منها وبناء مختلف اعضائه وحركاته وسكناته تُخبرُ عن مُبدىء عظيم يجمعُ كافة الكمالات ومُنَزَّه عن جميع النواقص، وهي دائمةُ التّسبيح بحمده بلسان حالها. ويعتقد بعضهم انَّ حمدَها وتسبيحها وصلاتها عن وعي، ويعتبرون لكلِّ موجود حتى الذي نَحسبُه جماداً وبلا روح، عقلا واحساساً، بالرغم من جهلنا به، كما نقرأ في مكان آخر: (وَإنْ مِنْ شَيء إلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُوْنَ تَسْبِيْحَهُم)(1). * * * واشار في الآية الرابعة والاخيرة من البحث إلى مسألة جديدة أُخرى من عجائب عالم الطيور فقال: (وَمـا مِنْ دابَّة في الأَرْضِ ولا طائِر يَطِيْرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ اُمَمٌ أمْثالُكُم). والتعبير بـ (اُمَمْ) جمع "اُمهّ" يدللُ على انَّ لها عقلا واحساساً في عالمها، والتعبير بـ (امثالكم) يؤكد هذا المعنى أيضاً، لأنها تشابه الإنسان في مسألة الادراك والفهم والشعور، وهذا تأكيد مجدد للتفسير الذي ورد في الآية السابقة، بأنَّ لها تسبيحاً ودعاءً عن وعي في عالمها الخاص بها(2). انَّ القرائن المتوفرة لدى الطيور، وباقي الحيوانات، تؤيد بانها ذات ذكاء وشعور. لأنَّ: الكثير من الحيوانات تعمل بمهارة ودقة في بناءِ بيوتها وجمع غذائها وتربية فراخها، ورعايتها، وسعيها لسد حاجات حياتها الأُخرى بدقة ومهارة لا يُصدق معها، صدور هذا العمل عن غير عقل وشعور؟. وهي تبدي ردود فعل مناسبة ازاء الاحداث التي لا تمتلك تجربةً سابقةً حيالها، فمثلا نرى انَّ الخروف الذي لم يَرَ ذئباً طيلة حياته له وعيٌ كاملٌ عن خطر هذا العدو ويدافع عن نفسهِ بكلِّ وسيلة يستطيعها. لقد قاموا بتربية الحيوانات من اجل غايات مهمة، كالطيور التي تنقل الرسائل، والحيوانات التي تُرسلُ إلى السوق للشراء، وحيوانات الصيد، وكلاب الشرطة التي تستعمل للكشف عن المخدّرات، وملاحقة المجرمين وامثال ذلك، فتُربّى هذه الحيوانات بنحو قد تكون افضل واكثر ذكاءً من الإنسان في انجاز مهمتها، حتى في هذا العصر الذي تنوعت فيه معدات كشف الجرائم لم يجدوا في انفسهم غنىً عن هذه الكلاب!. خصوصاً انَّ بعض الحيوانات كالنحل والنمل والأرضة، وبعض الطيور كالطيور المهاجرة، وبعض حيوانات البحر كالاسماك الحرّة التي تقطع آلاف الأميال في اعماق البحر باتجاه منشئها الاصلي اثناء وضع البيوض، تعيش حياةً دقيقةً ومليئةً بالاسرار بحيث لا يمكن نسبتُها إلى الغريزة، لأنَّ الغرائز تُعتبر عادةً مصدراً للاعمال ذات النَسق الواحد، في حين انَّ حياة هذه الحيوانات ليست كذلك، وعمالها دليلٌ على فهمها واحساسها النسبي. يقول مؤلف تفسير "روح المعاني":انا لا أرى مانعا من القول بأن للحيوانات نفوساً ناطقة وهي متفاوتة الادراك
