[ 8 ] نعما لا تحصى، ثم غلظ عليه القول بقوله عزوجل: " بيدي استكبرت " كقول القائل بسيفي تقاتلني وبرمحي تطاعنني، وهذا أبلغ في القبح وأشنع، فقوله عزوجل: " وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة " كانت كلمة متشابهة أحد وجوهها أنه يتصور عند الجاهل أن الله عزوجل يستشير خلقه في معنى التبس عليه ويتصور عند المستدل إذا استدل على الله عزوجل بأفعاله المحكمة وجلالته الجليلة أنه جل عن أن يلتبس عليه معنى أو يستعجم عليه حال فانه لا يعجزه شئ في السماوات والارض والسبيل في هذه الاية المتشابهة كالسبيل في أخواتها من الايات المتشابهات أنها ترد إلى المحكمات مما يقطع به ومعه العذر للمتطرق إلى السفه والالحاد. فقوله: " وإذ قال ربك للملئكة إنى جاعل في الارض خليفة " يدل على معنى هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد، نافية عن الله عزوجل الخلع والظلم وتضييع الحقوق وما تصح به ومعه الولاية، فتكمل معه الحجة، ولا يبقى لاحد عذر في إغفال حق واخرى أنه عز وجل إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنى من معاني الطاعات ندبه له حتى تحصل له به عبادة ويستحق معها مثوبة على قدرها ما لو أغفل ذلك جاز أن يغفل جميع معاني حقوق خلقه أولهم وآخرهم، جل الله عن ذلك. فللقو ام بحقوق الله وحقوق خلقه مثوبة جليلة متى فكر فيها مفكر عرف أجزاءها إذ لا وصول إلى كلها لجلالتها وعظم قدرها، وأحد معانيها وهو جزء من أجزائها أنه يسعد بالامام العادل النملة والبعوضة والحيوان أولهم وآخرهم بدلالة قوله تعالى: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (1). ويدل على صحة ذلك قوله عزوجل في قصة نوح عليه السلام: " فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا - الاية " (2). ثم من المدرار ما ينتفع به الانسان وسائر الحيوان، وسبب ذلك الدعاة إلى دين الله والهداة إلى حق الله، فمثوبته على أقداره، وعقوبته على من عانده بحسابه. ولهذا نقول: إن * (هامش) (1) الانبياء: 107. (2) نوح: 10 - 12. (*) ________________________________________
