[ 199 ] تفتيح الابواب لهم دليلا على دخولهم، فترك ذكر الدخول لها في الكلام من الدلالة عليه، وقد يسقط من القرآن كلم وحروف، ويدل فحوى الخطاب عليها اختصارا وحذفا وإبعادا في مذاهب البلاغة، لاغراما في منازع الفصاحة، ولان فيما يبقى أدتة على ما يلقى، إذ كانت البلاغة عند أهل اللسان لمحة دالة وإشارة مقنعة. ولا يجوز أن تزاد فيه الكلم والحروف ألتي ليس فيها زيادة معان وأدله على معان - على ما قدمناه من كلامنا في هذا المعنى - لان ذلك من قبيل العي والفهاهة كما أن الاول من دلائل الاقتدار والفصاحة. وفي القرآن موضعان آخران جاءت فيهما هذه (الواو) التي قدر أنها مزيدة، ما رأيت أحدا تنبه عليهما، وإنما عثرت أنا بهما عند الدرس، لان العادة جرت بي في التلاوة أن أتدبر غرائب القرآن وعجائبه، وخفاياه وغوامضه، فلا أزال أعثر فيه بغريبه، واطلع على عجيبه وأثيرمنه سرالطيفا، وأطلع خبيئا طريفا. وأحد [ الموضين ] (1) المذكورين في السورة التي يذكر فيها يوسف عليه السلام، وذلك قوله تعالى: * (فلما ذهبوا به واجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بامرهم هذا وهم لا يشعرون) (2) فلم يرد بعد (فلما) خبر لها، وهذا مثل الاية التي في الزمر سواء، إلا أن تلك تداول الناس الاستشهاد في هذا الموضع بها، وهذه خفيت عنهم، فترك ذكرها. وتاويل هذا كتاويل تلك لا خلاف بينهما، لان في قوله تعالى: * (واجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب) * دليلا على جعله فيه، بقوة العزم منهم، والاجماع المنعقد بينهم، وكانه تعالى قال: حتى إذا ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب، جعلوه هناك، وأوحينا إليه، فالموضعان متفقان. والموضع الاخر قوله تعالى في الصافات * (فلما أسلما وتله للجبين * ________________________________________ (1) ما بين المعقوفين من المصدر. (2) يوسف 12: 15. (*) ________________________________________
