[ 135 ] وقال له: كدت أن تخرج ولم أفض إليك بما تريد. فقال: قد أتيت يا أمير المؤمنين، فليأمرني بأمره. قال: انصرف إلى منزلك، وضع ثيابك وادخل الحمام، ليذهب عنك كلال السفر، وجعل أبو جعفر ينتظر به الفرصة، فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم، فيريه من الاكرام ما لم يره قبل ذلك، حتى إذا مضت له أيام أقبل على التجنى. فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن موسى، فقال: اركب معى إلى أمير المؤمنين، فإنى قد أردت عتابه بمحضرك. فقال عيسى: أنت في ذمتي، فأقبل أبو مسلم، فقيل له: ادخل. فلما صار إلى الزقاق الداخلي، قيل له إن أمير المؤمنين يتوضأ، فلو جلست ؟ فجلس، وأبطأ عيسى بن موسى عليه، وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك، وهو على حرسه في عدة، فيهم شبيب بن رياح، وأبو حنيفة حرب بن قيس، فتقدم أبو جعفر إلى عثمان فقال له: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا. وجعل عثمان وأصحابه في ستر خلف أبى مسلم في قطعة من الحجرة، وقد قال أبو جعفر لعثمان بن نهيك: إذا صفقت بيدى فدونك يا عثمان. فقيل لابي مسلم: أن قد جلس أمير المؤمنين، فقام ليدخل، فقيل له: انزع سيفك فقال: ما كان يصنع بى هذا. فقيل: وما عليك ؟ فنزع سيفه، وعليه قباء أسود، وتحته جبة خز، فدخل فسلم، وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها، وخلف ظهره القوم خلف ستر. فقال أبو مسلم: صنع بى يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد، نزع سيفى من عنقي. قال: ومن فعل ذلك قبحه الله ؟ ثم أقبل يعاتبه، فعلت وفعلت، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يقال مثل هذا لى على حسن بلائى، وما كان منى ؟ فقال له أبو جعفر: يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت في دولتنا، ولو كان ذلك ذلك إليك ما قطعت فتيلا. ألست الكاتب إلى تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب آمنة ابنة علي ابن عمى، وتزعم أنك أبو مسلم بن سليط بن عبد الله بن العباس، لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقي صعبا. قال: وأبو جعفر ترعد يده، فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: يا أمير المؤمنين، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلى، فإن قدري أصغر ممبلغ منك هذا. فصفق أبو جعفر بيده، فخرج عثمان بن نهيك، فضربه ضربة خفيفة فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبى جعفر يقبلها ويقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني لاعدائك، فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق (1)، فأسرعت فيه، فقال أبو مسلم: وانفساه: ألا قوة ؟ ألا مغيث ؟ وصاح أبو جعفر: أضرب لا أم لك، فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه، فأمر به أبو جعفر، فكفن بمسح (2)، ________________________________________ (1) العاتق: الكتف، وحبله عظمة التوقوة وهى الواصلة من رأس العضد إلى أعلى القصبة الهوائية. (2) المسح: ثوب خشن. (*) ________________________________________
