[ 196 ] علم الاول والآخر بحر علم لا ينزف، وقال كعب الاحبار - كما في الاستيعاب وغيره -: سلمان حشى علما وحكمة إلى آخر ما هو مأثور عنه من امثال هذه الخصائص، وقد علم الناس ان أبا أيوب الانصاري لم يكن له من العيش إلا بلغة لا تشغله عن علم ولا عن عمل، وكذلك أبو سعيد الخدري وأبو فضالة الانصاري وغيرهم من نظائرهم من علماء الانصار وعظمائهم رضى الله تعالى عنهم. على ان سيد الحكماء وخاتم الانبياء صلى الله عليه وآله لم تكن اوقاتع فوضى وإنما كانت في الليل والنهار مرتبة للمهمات على ما تقتضيه الحكمة في تلك الاوقات، وقد خصص منها لالقاء العلم وقتا لا يعارض اوقات الصفق في الاسواق ولا اوقات العمل في الاموال، وكان المهاجرون والانصار لا يغيبون في ذلك الوقت ابدا وهم احرص على العلم مما يخرفه المخرفون. (الثاني): لو صح ما زعمه أبو هريرة (من قول النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه: ان يبط أحد منكم ثوبه حتى أفضى مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فنيسى من مقالتي شيئا ابدا) لتسابقوا إليه، واجتمعوا بقضهم وقضيضهم عليه، فانه الفضل لا يبلغه الطالب بشد الرحال، والعلم لا يناله ببذل الاموال، وما الذي ثبطهم عن نيله ؟ ومنعهم عن بسط اثوابهم في سبيله ؟ وكيف زهدوا في هذه الغنيمة وضيعوا على أنفسهم تلك الفوائد العظيمة ؟ أترى انهم كانوا بهذه المثابة من الزهد في العلم والرغبة عما يدعوهم الرسول إليه ؟ كلا ! ما هكذا الظن بهم ولا هذا بمشبه لما كانوا عليه من التعبد بأوامره، والمبادرة إلى ما يدعوهم إليه. (الثالث): لو صح ما زعمه أبو هريرة لعظم ندم الصحابة، واسفهم على ما ضيعوه من ذلك الفضل الكبير، والعلم الغزير، ولتواتر لهفهم على ما أهملوه من بسط اثوابهم لرسول الله حين انه لا كلفة فيه ولا مشقة عليهم، ولندد بعضهم ببعض، وتلاوموا على تركهم ذلك بسوء اختيارهم ولتواترت منهم ________________________________________