[ 14 ] البحث الثاني في قوى النفس الانسانية واعلم ان النفس الانسانية لها قوتان، نظرية وعملية، وكل منهما تسمى عقلا وان كان العقل يطلق على درجات القوة النظرية وعلى معان اخرى بحسب اشتراك الاسم كما تعلمه اما العملية فهى قوة محركة لبدن الانسان الى الافاعيل الجزئية على مقتضى آراء بعضها جزئية محسوسة وبعضها كلية اولية أو جزئية (1) أو ذائعة أو ظنية تحكم بها القوة النظرية من غير ان يختص حكمها بجزئي دون آخر والقوة العملية تستعين بالقوة النظرية في ذلك الى ان تنتهى الى الرأى الجزئي الحاصل فتعمل بحسبه وتحصل مقاصدها في طرفي المعاش والمعاد ولهذه القوة نسبة الى القوة النزوعية وعنهما يتولد كثير من الافاعيل كالضحك والبكاء، ونسبة الى الحواس الباطنة وهي استعمالها في استخراج الامور المصلحية والصناعات ونحوها ونسبة الى القوة النظرية ومنهما (2) تحصل المقدمات المشهورة والعملية هي التى يجب بمقتضى جبلتها ان يتسلط على القوى البدنية فتصرفها كما ينبغى فان اتفق لها أن انفعلت عن تلك القوى كان ذلك موجبا للبعد عن حضرة رب العالمين كما سنبين ان شاء الله تعالى. واما النظرية فهى التى لاجلها يصح من النفس ادراك الاشياء على الوجه (3) الصواب ولها في الاستكمال من الاستعداد مراتب ثلاثة ومثلت (4) في مبدئها بما (5) يكون للطفل من قوة الكتابة، وفى وسطها بما (6) يكون للناشئ المستعد لتعلمها، وفى منتهاها بما يكون للقادر عليها الذى لا يكتب وله أن يكتب متى شاء. فالمرتبة الاولى للنفس من الاستعداد المناسبة للمثال المذكور تسمى عقلا هيولانيا تشبيها لها بالهيولى الخالية في ذاتها عن جميع الصور المستعدة لقبولها وهذه المرتبة حاصلة لجميع اشخاص الناس في مبادئ الفطرة وقد اشير إليها في التنزيل الالهى وعبر عنها بالمشكاة في قوله تعالى: ________________________________________ (1) - ا: " أو الجزئية ". (2) - ج د " منها ". (3) - د: " وجه ". (4) - ج د: " وتنقلب ". (5) - " كما " ج د " مما ". (6) - ج د " مما ". ________________________________________
