[ 78 ] منها ما هو اشد، ومنها ما هو اضعف، والفقر يطلق ويراد به الحاجة الى المال، ويطلق ويراد به الحاجة الى الفضائل النفسانية، والاستعداد الذى به يكون ادراك الامور الكلية الاولية وما فوقه من الدرجات وان كانت الحاجة اعم من ذلك، وقد يراد به عدم المحتاج إليه في الوجهين، واعلم ان تقدير القضية على هذا الوجه: اشد درجات العقل نقصانا هو الفقر فموضوع القضية قولنا: اشد درجات العقل نقصانا، ومحمولها: الفقر، والمراد بالفقر ههنا الحاجة الى الفضائل والاستعداد المذكور، وحينئذ يلوح لك صدق هذه القضية فان اشد درجات نقصان العقل عدم الاستعداد المذكور المستلزم للخلو عن الفضائل النفسانية، وقد يحمل الفقر ههنا على المعنى وهو الحاجة الى المال أو عدمه الا ان ذلك المعنى لا يحمل على اشد درجات نقصان العقل بانه هو، فان الحاجة ليس نفس نقصان العقل بل يحتاج الى اضمار شئ آخر في ايضاح هذه القضية حتى يصير التقدير: اشد درجات نقصان العقل لازم عن الفقر الا انه لما كان حمل الملزوم يستلزم حمل اللازم اكتفى في الكلام مراعاة للوجازة بحمل الملزوم. واما علة هذا الحكم فلان العقلاء اتفقوا على ان المال مهذب لصاحبه وموجب لزيادة العقل ومنشط 1) لاكتساب الملكات الفاضلة عند استعماله في الوجوه التى ينبغى ولذلك قالت الحكماء: ان المال انما جعل زيادة في القوة (2) والرأى وضربوا لذلك الامثال كالمثل المشهور في كتاب كليلة ودمنة في الباب الثالث منه على لسان الجرذ الذى زعموا انه كان في بيت الناسك (3) وإذا كان كذلك علمت ان الحاجة الى المال المسمى فقرا عند تحققه في محل يستلزم خلو ذلك المحل عن تلك الكمالات النفسانية مع ما يلزم الفقر من حيث هو فقر من عدم مقاومة النفس للهوى وانقيادها لقبائح اللذات ومن ارتكاب الرذائل الردية كالحسد والمهانة وانقهار (4) النفس وانفعالها فيما يطلب منها مما يوجب السقوط في مواقع (5) التهم والدخول فيما لا ينبغى المستلزم كل ذلك نقصان العقل ورداءته، وحينئذ يتضح المعنى على هذا التقدير الا ان في هذا ________________________________________ (1) - ا د: " ينشط ". (2) - ا: " للقوة ". (3) - انظر باب الحمامة المطوقة. (4) - ا " انتهار ". (5) - في النسخ: " ومواقع ". ________________________________________
