[ 256 ] بها الخرسات بانواع اللغات، بخوعا 1 له بانه فاطر الارضين والسماوات، واستشهدهم خلقه وولاهم ما شاء من أمره. جعلهم تراجم مشيته وألسن ارادته، عبيدا لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون الالمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون، يحكمون باحكامه ويستنون بسنته، ويعتمدون حدوده، ويؤدون فرضه. ولم يدع الخلق في بهم صما ولا في عمى بكما، بل جعل لهم عقولا مازجت شواهدهم، وتفرقت في هياكلهم، حققها في نفوسهم واستعد لها حواسهم، فقرر بها على اسماع ونواظر وافكار وخواطر، الزمهم بها حجته واراهم بها محجته وانطقهم عما شهدته بألسن ذرية بما قام فيها من قدرته وحكمته، وبين عندهم بها (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة) 2، وان الله لسميع عليم، بصير شاهد خبير. وان الله تعالى جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين، لا يقوم احدهما الا بصاحبه، ليكمل لكم عندكم، جميل صنعه، ويقفكم على طريق رشده، ويقفوا بكم آثار المستضيئين بنور هدايته، ويسلك بكم منهاج قصده، ويوفر عليكم هنيى رفده. فجعل الجمعة مجمعا ندب إليه 3 لتطهير ماكان قبله، وغسل ما أوقعته مكاسب السوء من مثله الى مثله، وذكرى للمؤمنين وتبيان خشية المتقين، ووهب لأهل طاعته في الايام قبله وجعله لا يتم الا بالايتمار لما امر به، والانتهاء عما نهى عنه، والبخوع بطاعته فيما حث عليه وندب إليه، ولا يقبل توحيده الا بالاعتراف لنبيه صلى الله عليه وآله بنبوته، ولا يقبل دينا الا بولاية من أمر بولايته، ولا ينتظم أسباب طاعته الا بالتمسك بعصمه وعصم أهل ولايته. فانزل على نبيه صلى الله عليه وآله في يوم الدوح مابين فيه عن ارادته في خلصائه ________________________________________ 1 - بخع: أقر به وأذعن. 2 - الانفال: 42. 3 - ندب للأمر أولى الأمر: دعاه ورشحه للقيام به. ________________________________________
