[147] فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دون له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه. وأما سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا والتبسم فهو المضروب به المثل فيه، حتى عابه بذلك أعداؤه، وقال عمرو بن العاص لاهل الشام: إنه ذو دعابة (1) شديدة، وقال علي عليه السلام في ذاك: عجبا لابن النابغة يزعم لاهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة اعافس (2) وامارس، وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر لقوله لما عزم على استخلافه: لله أبوك لولا دعابة فيك، إلا أن عمر اقتصر عليها وعمرو زاد فيها ونسجها، قال (3) صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه: كان فينا كأحدنا، لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه، وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة، قال قيس: نعم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبسم (4) إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء رفعه، وتعيبه بذلك، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى، ليس كما يهابك طغام (5) أهل الشام، وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة و الوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك. وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد، وبدل الابدال، وإليه يشد الرحال، وعنده تنفض الاحلاس، ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد، فقدم جرابا مختوما، فوجدنا فيه ________________________________________ (1) دعبه دعبا ودعابة: مازحه. (2) التلعابة: الكثير اللعب. وعافسه: صارعه. (3) في المصدر: وقال. (4) في المصدر: ويبتسم. (5) الطغام بالفتح: اوغاد الناس للواحد والجمع. والعامة تقول " اوباش ". ________________________________________
