[112] على أكنافها، فجر ينابيع العيون من عرانين انوفها، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها، وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها، وذوات الشناخيب الشم من صياخيدها، فسكنت من الميدان برسوب الجبال في قطع أديمها وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها، وركوبها أعناق سهول الارضين وجراثيمها، وفسح بين الجو وبينها، وأعد الهواء متنسما لساكنها (1)، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها، ثم لم يدع جرز الارض التي تقصر مياه العيون عن روابيها، و لا تجد جداول الانهار ذريعة إلى بلوغها، حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها وتستخرج نباتها الف غمامها، بعد افتراق لمعه، وتباين قزعه، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه، والتمع برقة في كففه، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه، ومتراكم سحابه، أرسله سحا متداركا قد اسف هيدبه تمر به الجنوب درر أهاضيبه ودفع شئابيبه، فلما ألقت السحاب برك بوانيها، وبعاع ما استقلت به من العب المحمول عليها، أخرج به من هوامل (2) الارض النبات، ومن زعر الجبال الاعشاب، فهى تبهج بزينة رياضها، وتزدهي بما ألبسته من ربط أزاهيرها، وحلية ما شمطت (3) به من ناضر أنوارها، وجعل ذلك بلاغا للانام، ورزقا للانعام وخرق الفجاج في آفاقها وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها، فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيره من خلقه، وجعله أول جبلته، وأسكن (4) جنته، وأرغد فيها أكله، وأوعز إليه فيما نهاه عنه، وأعلمه أن في الاقدام عليه التعرض لمعصيته والمخاطرة بمنزلته، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه، فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله، وليقيم الحجة به على عباده، ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته، ويصل بينهم و بين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة ________________________________________ (1) لساكنيها (خ). (2) في بعض النسخ: (هوامد الارض) وهو الاظهر. (3) في المصدر: سمطت. وسيأتى من المؤلف رحمه الله ذكر النسختين وبيان معناهما. (4) في بعض النسخ: أسكنه (*). ________________________________________
