[133] واختلاف الخاصة والعامة إليهم. فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك، فيكف ما خربوا عليك. فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول. وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا، فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا (1) " إنك لست في دار مقام. أنت في دار قد آذنت برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه. طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده. احذر فقد نبئت، وبادر فقد اجلت، إنك تعامل من لا يجهل، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد. ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك (2) لكني أردت أن ينعش الله ما [قد] فات من رأيك، ويرد إليك ما عزب من دينك (3) وذكرت قول الله تعالى في كتابه: " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (4) ". أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب (5). أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه، أم هل تراهم ________________________________________ (1) سورة الاعراف: 168. (2) عنفه: لامه وعتب عليه ولم يرفق به. وينعش الله ما فات أي يجبر ويتدارك. (3) عزب - بالعين المهملة والزاى المعجمة -: بعد. (4) سورة الذاريات: 55. (5) الاعضب: المكسور القرن. ولعل المراد: بقيت كاحد قرنى الاعضب. والعضباء: الشاة المكسورة القرن. ________________________________________
