[ 147 ] رسوله يدعوني لحضور طعامه فلما جعل الطعام بين أيدينا رأى أكلى مقصرا عما كان يعهده، فضحك ثم قال أحسبك يا عربي لما مضى النصف من شهرك فكرت في أن الايام تقربك من الانتقال عنى إلى غيرى فلا يعاملك مثل معاملتي ولا يكون عيشك معه مثل عيشك معى، فسهرت واعتراك لذلك غم ثم غير طبعك، فأعلمته أنه قد صدق. فقال: ما أنا إن لم أحسن الاختيار لصديقي بحر. كل فقد آمنك الله مما حذرت، ولم أبت في اليوم الذى رمقتك فيه حتى سألت الملك أن يصيرك عندي مادمت في أرض الروم فلست تنتقل عن يدى ولا تخرج منها إلا إلى بلدك فإنى أرجو أن يسبب الله عزوجل ذلك على يدى. قال: فطابت نفسي ولم أزل مقيما عنده إلى أن انقضى الشهر وضرب بالقداح، وخرج لبطارقة غير البطريق الذى نحن عنده وتحول إليه أصحابي وبقيت وحدي وتغديت في ذلك اليوم مع البطريق. وكان من عادتي أن أنصرف من عنده بعد غدائي إلى إخوانى المسلمين فنتحدث ونأنس، ونقرأ القرآن، ونجمع الصلوات، ونتذاكر الفرائض ويسمع بعضنا بعضا ما حفظ من العلم وغيره. قال: فانصرفت ذلك اليوم إلى الموضع الذى كنت أجتمع فيه مع المسلمين فلم أر أحدا منهم فضاق صدري ضيقا تمنيت أن أكون مع أصحابي، وبت بليلة صعبة لم أطبق فيها بين أجفاني فأصبحت أكثف خلق الله عزوجل بالا، وأسوأهم حالا، وصار إلى رسول البطريق في وقت الغداء فلما صرت إليه تبين الغم في وجهى ومددت يدى إلى الطعام فرأى مد يدى إليه خلاف عادتي. فضحك ثم قال: أحسبك اغتممت لفراق أصحابك فأعلمته أن قد صدق، وسألته هل عنده حيلة في ردهم إلى يده. فقال: إن الملك لم يرد بتنقل أصحابك من يد إلى يد غيرى إلا ليغمهم بما يفعل، ومن المحال أن يدع تدبيرهم في الاضرار بهم لميلى اليك ومحبتى لك، وما عندي في هذا الباب حيلة. فسألته أن يسأل الملك إخراجى عن يده وضمي إلى أصحابي لاكون معهم حيث كانوا. فقال: ولا في هذه أيضا حيلة لانى لا أستجيز أن أنقلك من سعة إلى ضيق، ومن كرامة إلى هوان، ومن نعمة إلى شقاء، ________________________________________