[263] الحاضرين في المجلس والدار هو رد وجزاء للعمل بمثله. لقسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عقوبة لهم بما صنعوا (1) ويرد على هذا: أولا: كما أشرنا إليه آنفا ودلت عليه مضامين بعض الأحاديث ان النبي (صلى الله عليه وآله) عرف موضوع اللد بعد أن أفاق، فعلى هذا فلم يكن نهي قبل ارتكابهم هذا العمل حتى تتحقق المخالفة ويجزون عقابا على ارتكابه. ثانيا: وعلى فرض قبول الحديث بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان عالما بأنه يلد فأشار إليهم ناهيا اياهم بأن يمتنعوا من ذلك، فعملهم ليس بذنب حتى يعاقبون عليه، ويحق له أن يعاقبهم على مخالفتهم له، لأن هذه المخالفة مبتنية على اعتقادهم بكراهية المريض للدواء وهذه الكراهية للدواء هو دأب كل مريض. وثالثا: لو سلمنا أن الحاضرين في البيت أجمعوا جميعهم على اللد، ولكن المباشر في إعطاء الدواء للرسول (صلى الله عليه وآله) هو واحد لا الجميع لماذا عاقب النبي الجميع بفعل واحد أو اثنين منهم ؟ والقرآن صريح في قوله: (لا تزر وازرة وزر اخرى) (2)، وهذا النوع من الحكم يشبه الحكم بقصاص اناس رضوا بالقتل، فهل من عاقل تسمح له نفسه أن يعاقب من عمل بواجبه الشرعي والأنساني تجاهه، فأحسن إليه وأنقذه من الموت ؟ فالجواب حتما لا، فكيف بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين الذي وصفه ابن حجر: بأنه ما اقتص ولا انتقم من أحد حتى من عدوه إذا تعدى على حقوقه الخاصة (3). لقد بينا في الفصلين السابقين أن الغاية من اختلاق ووضع مثل هذه الأحاديث التي مر ذكرها هي تزكية اولئك الذين لعنوا على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) - كمن تخلف عن جيش اسامة، وقوله (صلى الله عليه وآله): لا اشبع الله بطنه، فجعلوا لعن النبي اياهم فخرا وتزكية ورفعة لمقامهم ورتبهم وصيروا ذلك اللعن أعلى رتبة من الدعاء والثناء. ________________________________________ (1) شرح نهج البلاغة 13: 32. (2) الانعام: 164. (3) فتح الباري 8: 120. ________________________________________