@ 141 @ يصنع رأساً فبقي متلون الأحوال ينتقل من طور إلى طور فتارة يلبس عمامة العلماء الكبار ولباسهم ويعقد حلقة درس يفيد فيها الطلاب وتارة يسوح في الجبال عرياناً مغلوب الحيرة في زي المجانين إلى أن ترك التلون واختار السكون والتمكن وأنشأ جامعاً وخانقاه وتكية واشتهر بأنه ممن ينفق من الغيب أو من صنعة الكيميا ثم ترقى به الحال إلى أن أنشأ اثنيها وثلاثين موضعاً زوايا ومساجد وجوامع وبنى مالاً يعد من المدارس الرفعية والقناطر المنيعة ووقف على كل أثر منها أوقافاً عظيمة وعين للمقيمين والمسافرين نفقات وكان يبذل في فكاك أسرى المسلمين أموالاً كثيرة وكان في شهر رجب وشعبان ورمضان يعقد مجلساً لقراءة التفسير والبخاري وكان يميل إلى تحصيل نسخ متعددة من البخاري وكان من ملتزماته أنه لا يقبل هدية من أحد إلا إذا أهدى له البخاري فكان يقبله ويقابل مهديه بأنواع الإحسان وجمع من نفائس الكتب مالاً يعد ولا يحصى ومن جملة ما وجد في خزانة كتبه ألف نسخة من البخاري وقس عليه الباقي وكان مفرط السخاء مبذول العطاء وأكثر ما كان ينفق ماله على أسرى المسلمين حكى أنه أوصى يوماً خدامه أن يجلبوا له ما يكفي كسوة سبعمائة نفس من ثوب وقميص وشاش وحزام قاسومة فامتثلوا وصيته وأحضروا ذلك ولم يدروا السر في ذلك فما تم جمع ما طلب إلا وصل الخبر أن ثلاث غلايين من غلايين الفرنج قد انكسرت في قرب ساحل تونس وفيها سبعمائة أسير من المسلمين فخلصوا جميعاً وأحضروا إلى زاوية الشيخ فألبسهم ما أعد لهم من اللباس وأكرمهم وحياهم وحكى أن رجلاً من الجند مر ليلة بمحل في نواحي تونس فرأى حجراً عظيماً قد ارتفع وانفتحت تحته مغارة فرأى المغارة ملآنة بالذهب المسكوك فدخلها وملأ جيبه وذيله منها فلما أراد الخروج رأى الباب قد انسد فذهب عقله ثم وضع الدنانير التي أخذها مكانها وتوجه نحو الباب فرآه مفتوحاً فكرر الأخذ وتكرر انسداد الباب فعند ذلك قنع بالتفرج وخرج ثم بعد أيام مر بذلك المحل فرأى رجلاً قد دخل وعبى عبه معه من ذلك الذهب وخرج ثم حمله على بغل كان معه فسأله العسكري من أنت فقال أنا خادم شيخ الشيوخ أبي الغيث وهذه الخزينة نصيبه إذا أمرني بنقل شيء منها جئت فأرى الباب مفتوحاً فأدخل وآخذ منها مقدار ما يعينه لي ثم أخرج وليس لأحد غيره فيها نصيب ونقل أنه كان إذا قع خيانة فيها من أحد ففي الحال ينقلب الذهب فحماً أسود واتفق لبعض الناس أنه أبرم على الخادم مرة في تناول شيء منها