مراسم الوداع والتشييع؛
اختبار الوفاء للفكر الوحدوي للقائد الشهيد
عند تحليل الفكر السياسي للقائد الشهيد، ينصبّ الاهتمام غالباً على مفاهيم مثل المقاومة، والعدالة، والاستقلال، والتقدم. غير أنّ أحد المبادئ التي حافظ عليها بثبات واستمرارية منذ توليه القيادة عام 1981م وحتى آخر خطاباته في عام 2025م، تمثل في تحويل المناسبات الوطنية والدينية والطقوس العامة إلى فضاءٍ لتعزيز الوحدة والتماسك. ولم يكن هذا التوجه تدبيراً مرحلياً أو استجابة لظروف عابرة، بل شكّل جزءاً أصيلاً من فلسفة الحكم لديه؛ فلسفةٍ قامت على صيانة تماسك المجتمع الإسلامي، ومنع اتساع الانقسامات السياسية والمذهبية.
ولم يفسّر القائد الشهيد الوحدة يوماً على أنها تعني توحيد الآراء أو إلغاء التعدد والاختلاف. ففي منظومته الفكرية، لا يتحقق الانسجام الوطني والوحدة الإسلامية إلا عندما تتمكن مختلف التيارات، على الرغم من تباين توجهاتها السياسية والفكرية وانتماءاتها المذهبية، من الالتقاء حول المصالح العليا للأمة الإسلامية والوطن. ومن هذا المنطلق، لم يكن حضور الشخصيات المتنوعة في المناسبات الرسمية والوطنية والدينية مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان جزءاً من الرسالة السياسية والثقافية التي تحملها تلك المناسبات.
وقد تجسّد هذا النهج في مختلف المراحل من خلال اللقاءات الرسمية، ومؤتمرات الوحدة الإسلامية، والملتقيات الدولية، والمناسبات الوطنية، والفعاليات الدينية. كما أن الحرص على دعوة علماء الشيعة وأهل السنة، ومفكري العالم الإسلامي، والنخب السياسية على اختلاف توجهاتها، وممثلي القوميات والمذاهب، يعكس إدراكاً بأن تركيبة الحضور بحد ذاتها تحمل رسالة سياسية وثقافية عميقة. ووفق هذا التصور، فإن المناسبات العامة ليست مجرد إطار لإقامة المراسم، بل تُعد وسيلةً لإنتاج رأس المال الاجتماعي، وتعزيز الثقة المتبادلة بين مختلف مكونات المجتمع.
كما كشفت الأشهر الأخيرة من حياة القائد الشهيد عن استمرار هذا النهج. ففي لقائه مع أعضاء مجلس الشورى الإسلامي في يونيو/حزيران 2025، وبعد بيانه للمفهوم الصحيح للروح الثورية، حذّر من تحويل الاختلافات السياسية وتباين وجهات النظر إلى صراعات واستقطابات حادة، مؤكداً أن الحفاظ على الانسجام الوطني أصبح اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى. كما أن تأكيده على ضرورة أن «يصدر عن البلاد صوتٌ واحد في القضايا الأساسية»، وأن يكون الشعب والمسؤولون «يداً واحدة»، لم يكن سوى امتداد للاستراتيجية التي تبناها على مدى أكثر من أربعة عقود؛ وهي الاستراتيجية التي اعتبرت الوحدة شرطاً أساسياً للقوة الوطنية والإسلامية، لا نتيجةً لها.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى مراسم الوداع، والتشييع، وإحياء ذكرى القائد الشهيد على أنها مجرد مناسبات عزاء، بل إنها تمثل أول اختبار عملي لمدى الالتزام بإرثه الفكري. فإذا كانت أبرز وصاياه تتمثل في تجنب إثارة الخلافات، واحترام الآخر، وتعزيز التماسك الاجتماعي، فمن الطبيعي أن تعكس طريقة تنظيم هذه المناسبات وإدارتها تلك المبادئ نفسها.
إن دعوة الشخصيات العلمية، والدينية، والثقافية، والسياسية من مختلف الاتجاهات، وحضور علماء الشيعة وأهل السنة، ومشاركة ممثلي القوميات، والمذاهب، والتيارات الفكرية، إلى جانب تهيئة الظروف لمشاركة الشخصيات المؤثرة في العالم الإسلامي، لا يُعد عملاً بروتوكولياً فحسب، بل يمثل ترجمةً عمليةً للفكر الذي ظل القائد الشهيد يؤكد عليه حتى آخر أيام حياته. وكلما اتسعت دائرة المشاركة، ازدادت رسالة الوحدة مصداقية وتأثيراً، وكلما اختُزلت هذه المناسبات في إطار المنافسات السياسية أو الاصطفافات الفئوية، تراجعت قيمتها الحضارية ورسالتها الوحدوية.
واليوم، يواجه العالم الإسلامي، أكثر من أي وقت مضى، تحديات تتمثل في الانقسامات القومية، والمذهبية، والسياسية. وفي ظل هذه الظروف، يمكن للمناسبات المرتبطة بالقائد الشهيد أن تتحول إلى نموذج لإعادة بناء الثقة وتعزيز الحوار بين مختلف التيارات، شريطة أن يقدّم القائمون عليها روح فكره الوحدوي على الاعتبارات المرحلية والظروف السياسية الآنية. فالوفاء لتراث القائد الشهيد لا يتحقق بمجرد الاحتفاء بشخصه، وإنما يتجسد في أن ينعكس منهجه الوحدوي في تصميم هذه المناسبات، وآلية الدعوة إليها، وطريقة تنظيمها، والرسائل التي تحملها.
ولعلّ أسمى صور الوفاء للقائد الشهيد لا تتمثل في إقامة مراسم أكثر ضخامة، بل في أن تتحول هذه المناسبات إلى فضاء يجتمع فيه كل من يحمل همّ عزة الإسلام، واستقلال إيران، ووحدة الأمة الإسلامية. فإذا تحقق ذلك، فلن تكون مراسم الوداع وإحياء الذكرى مجرد استحضار لفقدان قائد، بل ستصبح امتداداً عملياً لفكرٍ جعل من الوحدة، على مدى أكثر من أربعة عقود، الخيار الاستراتيجي الأساس للعالم الإسلامي.
أمید علي بور
رئيس تحرير المواقع الإلكترونية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
